كتبت د. آمال جبور - في توقيت حساس للعلاقات المغربية الإسبانية، أقرّ مجلس النواب الإسباني مشروع قانون يفتح باب الحصول على الجنسية أمام الصحراويين المولودين في الصحراء خلال فترة الإدارة الإسبانية. وجاء القرار بعد أحداث سبتة وما رافقها من توتر سياسي وإعلامي وحزبي في البلدين، في وقت تحاول فيه القنوات الرسمية بين الرباط ومدريد الحفاظ على علاقة مستقرة، بالتزامن مع اقتراب محطة أممية جديدة في أكتوبر بشأن ملف الصحراء المغربية.
لا تتعلق السطور القادمة بالجدل حول مشروع القرار الإسباني، بقدر ما تتوقف عند ما جاء بعده من تحرك أميركي لافت. فبعد يومين فقط، أكدت واشنطن دعمها للمسار السياسي الذي تقوده الأمم المتحدة في ملف الصحراء، في خطوة تكتسب أهمية إضافية مع اقتراب محطة أكتوبر الأممية في نيويورك.
ومن هذه الزاوية، يبدو أن التوقيت يحمل رسالة مفادها أن التطورات الجديدة، وما رافقها من توترات داخل إسبانيا و تصعيد خطاب الاتحاد الأوروبي، لا ينبغي أن تُخرج القضية عن المسار الذي بدأ بعد صدور القرار الأممي 2797 في أكتوبر/تشرين الأول 2025، والذي جعل مبادرة الحكم الذاتي المغربية أساسا للمفاوضات بين أطراف النزاع. وقد تحرك هذا المسار فعليا بعد سنوات من الجمود، عبر مفاوضات غير مباشرة وبرعاية أميركية واضحة، و بعيدا عن الإعلام، حيث عُقد أول اجتماع في السفارة الأميركية بمدريد، ثم انتقلت اللقاءات إلى واشنطن وفلوريدا، من دون الكشف عن تفاصيلها.
وبينما بقيت تفاصيل هذه اللقاءات بعيدة عن الإعلام، تكثف خلال الأسابيع الأخيرة التحرك الأميركي والأممي، بالتزامن مع اقتراب محطة أكتوبر في نيويورك، عبر سلسلة من الرسائل والتحركات السياسية والدبلوماسية.
ففي 12 أيلول، وبعد يومين فقط من قرار التجنيس الإسباني، أكد مسعد بولس، في تغريدة على منصة «إكس»، دعم الولايات المتحدة لمسار سياسي تقوده الأمم المتحدة للوصول إلى حل دائم ومقبول، وفي إطار القرار 2797. وقبل ذلك بأيام، كان كريستوفر ثورنتون، المستشار السياسي الأول لستافان دي ميستورا، قد تحدث عن مشاورات تهدف إلى «خلق الأسس الضرورية» لحل مقبول للطرفين، مشيراً إلى استمرار التنسيق بين دي ميستورا والإدارة الأميركية لدفع المسار السياسي لملف، وتزامن ذلك مع حراك دبلوماسي في نيويورك، شمل لقاء غوتيريش بوزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
ولم يتوقف التحرك الأميركي عند التصريحات، بل رافقته زيارة مسعد بولس إلى الجزائر في 14 أيلول. ورغم أن ملف الصحراء لم يكن ضمن العناوين المعلنة، فإن توقيت الزيارة، بعد تأكيد واشنطن دعم المسار الأممي وقبل محطة أكتوبر، يضعها في سياق التحرك الجاري لدفع التسوية، خاصة مع موقع الجزائر في الملف، لذلك يصعب النظر إلى زيارة الجزائر بمعزل عن هذا المسار، بما يضع الزيارة ضمن حسابات أوسع في شمال إفريقيا. حيث تتقاطع قضية الصحراء المغربية مع عدد من التوازنات الإقليمية والدولية.
وعليه، تبدو واشنطن حريصة على إبقاء التوترات الثنائية ضمن حدودها، بحيث لا تنعكس على المسار السياسي لملف الصحراء، الذي ينتظر محطة مهمة في نيويورك بعد أسابيع قليلة. وفي الوقت نفسه، تأتي هذه التحركات ضمن مشهد إقليمي متحرك، تتداخل فيه قضية الصحراء مع حسابات أوسع تتصل بعلاقات دول شمال إفريقيا وتوازناتها.
في النهاية، لا يعني قرار التجنيس بالضرورة تغير الموقف الرسمي الإسباني من الحكم الذاتي، لكنه قد يضيف توترا جديدا إلى العلاقة مع الرباط، وجاء التحرك الأميركي في هذا التوقيت ليؤكد تمسك واشنطن بدفع الملف نحو التسوية، حيث يكتسب ذلك أهمية أكبر في ظل الحسابات الإقليمية المرتبطة بأمن شمال إفريقيا وطرق التجارة والطاقة.
و تبقى دلالة هذه التحركات مرتبطة بما ستكشفه المرحلة المقبلة، خصوصا مع اقتراب محطة أكتوبر في نيويورك. فهناك، يمكن قياس ما إذا كان الحراك الأميركي والأممي خلال الأشهر الماضية قد أسهم في تهيئة ظروف أكثر ملاءمة لدفع المفاوضات نحو تسوية سياسية.
