أحداث المملكة _ د. أيهم العتوم
لم يعد السؤال حول الذكاء الاصطناعي مرتبطًا فقط بمدى قدرته على كتابة نص أفضل أو إنتاج صورة أكثر واقعية. التحول الأهم يجري في مكان أوسع: في الطريقة التي تتغير بها بيئة العمل، والمعلومات، والأمن، والعلوم، وحتى علاقة الإنسان بالتقنية نفسها.
وفي محاولة لالتقاط أبرز التحولات التي تستحق المتابعة، اختارت MIT Technology Review عشرة أشياء ضمن قائمتها السنوية «10 أشياء تهم في الذكاء الاصطناعي الآن» لعام 2026. ولا تأتي هذه الأشياء بوصفها محطات منفصلة بقدر ما تكشف، عند جمعها، عن تحولات مترابطة في موقع الذكاء الاصطناعي داخل الحياة اليومية والمؤسسات والمجتمع.
الذكاء الاصطناعي يغادر الشاشة: من النماذج الرقمية إلى العالم المادي
أحد التحولات اللافتة أن الذكاء الاصطناعي يقترب أكثر من العالم المادي. فبيانات وأساليب التدريب المستوحاة من النماذج اللغوية تجد طريقها إلى الروبوتات الشبيهة بالبشر، فيما تكتسب «نماذج العالم» أهمية في تدريب الروبوتات والوكلاء على فهم البيئات التي تتحرك داخلها.
وبالتوازي، يظهر اتجاه «تنسيق الوكلاء»، حيث لا يعود النظام معتمدًا بالضرورة على نموذج واحد ينفذ مهمة واحدة، بل يمكن لعدة وكلاء أن يتعاونوا لإنجاز أعمال أكثر تعقيدًا. وبين هذه الاتجاهات تظهر صورة أكبر من مجرد تطور في الروبوتات أو البرمجيات: الذكاء الاصطناعي يتحرك تدريجيًا من شاشة تنتج إجابة إلى أنظمة تستطيع فهم بيئة، والتصرف داخلها، والتنسيق مع أنظمة أخرى.
ما بعد ChatGPT: إلى أين تتجه النماذج اللغوية الكبيرة؟
وفي المقابل، لا ترى القائمة أن هذا التطور يعني تجاوز النماذج اللغوية الكبيرة، بل تتحدث عن «LLMs+»، أي نماذج يجري تعزيزها بتقنيات مثل مزيج الخبراء وسياقات أطول، لتتعامل مع مشكلات متعددة المراحل. فالاتجاه لا يقوم بالضرورة على استبدال النموذج بما بعده، بل على توسيع قدراته وإدخاله في منظومات أكثر تعقيدًا.
التزييف العميق والاحتيال بالذكاء الاصطناعي: عندما تصبح الحقيقة أصعب في التحقق
لكن اتساع القدرة التقنية يحمل معه اتساعًا في مساحة المخاطر.
فمن جهة، تصبح عمليات الاحتيال أسهل وأكثر قابلية للتوسع، مع قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج رسائل ومحتوى وأصوات مقنعة بسرعة كبيرة. ومن جهة أخرى، يتطور «التزييف العميق» ليصبح أكثر واقعية وأيسر إنتاجًا، مع إمكان استخدامه لاستهداف الأفراد أو الجماعات أو القضايا السياسية.
وهنا تنتقل القضية من سؤال: «هل هذا المحتوى حقيقي أم مزيف؟» إلى سؤال أوسع يتعلق بالبيئة المعلوماتية نفسها. فعندما تصبح صناعة المحتوى المقنع أسرع وأرخص، لا يصبح كل ما ينتجه الذكاء الاصطناعي زائفًا، لكن تصبح الحدود بين الحقيقي والمصطنع أكثر قابلية للالتباس، وتصبح عملية التحقق أكثر أهمية.
فالمعلومة تصل إلى الإنسان ضمن بيئة من الصور والأصوات والمقاطع والتوصيات والخوارزميات، ولا يتوقف أثرها عند مضمونها المباشر، بل يرتبط أيضًا بالسياق الذي تظهر فيه وبالطريقة التي يتعامل بها المتلقي معها.
ومن هنا تبرز أهمية الدراية الإعلامية والمعلوماتية في البيئة الجديدة. فالمطلوب لم يعد مجرد معرفة كيفية استخدام الأدوات الرقمية، وإنما فهم البيئة التي تنتج فيها المعلومات وتُعدّل وتنتشر، والقدرة على التعامل مع واقع تصبح فيه أدوات التوليد متاحة على نطاق واسع.
