الرئيسية / تكنولوجيا
تكنولوجيا

الذكاء الاصطناعي: حين يسبق المال الإنتاجية

الذكاء الاصطناعي: حين يسبق المال الإنتاجية

أيهم العتوم

بمعزل عن "تشات جي بي تي" ومحادثاته المدهشة، ثمة اقتصاد آخر أقل بريقًا وأكثر ثقلًا يتشكل هذه الأشهر: مئات المليارات تتدفق نحو مراكز البيانات والرقائق الفائقة ومحطات الطاقة، في أكبر موجة استثمار تكنولوجي يشهدها العالم منذ عقود؛ استثمار عالمي يقترب هذا العام وحده من تريليون دولار، أي نحو 1% من الناتج العالمي الإجمالي. والسؤال الذي بات يشغل الاقتصاديين لم يعد "هل يعمل الذكاء الاصطناعي؟"، بل: متى تتحول كل هذه الأموال إلى نمو حقيقي يمكن قياسه.

الاستثمار سبق الإنتاجية

في تحديثه الأخير، رفع صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد الأمريكي في 2026 إلى نحو 2.4%، عازيًا جزءًا كبيرًا من هذا التحسّن إلى موجة الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. وتشير بيانات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي إلى أن إنتاجية العامل في القطاع غير الزراعي ارتفعت بمعدل سنوي 1.4% في الربع الثاني من 2026، وبـ2.2% على أساس سنوي. أرقام لافتة، لكن المسافة بين الاستثمار الضخم في السيرفرات والتحسّن الفعلي في الإنتاج لم تُقطع بعد، وهذا بالضبط ما يحذر منه كبير اقتصاديي الصندوق بيير-أوليفييه غورنشا حين يتحدث عن مخاطر أن تتحول توقعات الإنتاجية غير المتحققة إلى تصحيح حاد في الأسواق.

أين تظهر المكاسب فعلًا؟

الصورة ليست موزعة بالتساوي. الولايات المتحدة وبريطانيا، بفضل بنيتهما التحتية وشركاتهما التقنية الكبرى، تبدوان من أكثر الاقتصادات قدرة على التقاط مكاسب الذكاء الاصطناعي. تقرير التنمية العالمي الصادر عن البنك الدولي هذا العام يرسم صورة أكثر تعقيدًا من الثنائية المعتادة: الفارق في إمكانات رفع الإنتاجية بين الاقتصادات النامية والمتقدمة ليس هائلًا كما يُتصوَّر (نحو 16% مقابل 19% من الوظائف)، لكن الفجوة الحقيقية تكمن في التعرّض لمخاطر الإحلال، إذ ترتفع نسبة الوظائف المهددة بالأتمتة في الدول الغنية إلى أكثر من ثلاثة أضعافها في الدول متوسطة ومنخفضة الدخل. أما منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فتقدّر أن الذكاء الاصطناعي قد يضيف بين 0.4 و1.3 نقطة مئوية سنويًا إلى نمو الإنتاجية في الاقتصادات الأكثر تعرضًا له خلال العقد المقبل، بشرط توفر البنية الرقمية والمهارات اللازمة لاستيعابه.

هل يرفع الذكاء الاصطناعي الأسعار أم يخفضها؟

منطقيًا، ينبغي أن تؤدي إنتاجية أعلى إلى كلفة أقل وتضخم أدنى. لكن الواقع، في المدى القصير على الأقل، معاكس: الطلب الهائل على الرقائق والذاكرة والكهرباء ومعدات الشبكات يخلق ضغوطًا تضخمية قبل أن تظهر أي مكاسب إنتاجية تقابلها. وهذا بالتحديد ما يضعه غورنشا على رأس المخاطر المحدقة بالاقتصاد العالمي: فقاعة توقعات لم تتحقق بعد، فيما فاتورة بنائها مستحقة الدفع الآن.

وهنا، يضع الدكتور رعد التل، الأكاديمي والخبير الاقتصادي وأستاذ الاقتصاد المشارك في الجامعة الأردنية، إصبعه على المفارقة بالنسبة لاقتصاد مثل الأردن. يقول: "نحن اليوم في الأردن في مرحلة أقرب إلى التأسيس منها إلى الجاهزية، وأبعد ما نكون عن التحول الإنتاجي الكامل. صحيح لدينا مؤشرات مهمة جدًا؛ فمؤشر انتشار الذكاء الاصطناعي في النصف الثاني من 2025 أظهر أن نسبة استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بين السكان في سن العمل في الأردن بلغت 27% مقابل 16% عالميًا، ليحتل الأردن المرتبة 29 عالميًا والثالثة عربيًا. لكن يجب ألا نخلط بين استخدام الذكاء الاصطناعي والإنتاجية الناتجة عنه".

ويضيف التل: "الموظف قد يستخدم الذكاء الاصطناعي لكتابة رسالة أو إعداد تقرير، وهذا ليس أمرًا سيئًا؛ فأي شيء يحسن الإنتاجية ويجود الفكرة أنا معه. لكن هذا لا يعني أن الشركة أعادت تصميم عملية الإنتاج وخفضت التكاليف أو رفعت المبيعات. لذلك، المؤشر الأوضح بالنسبة لي ليس عدد مستخدمي الذكاء الاصطناعي، وإنما نسبة الشركات التي دمجته في العملية الأساسية للإنتاج، وتقيس أثره على الإنتاج والتكاليف".

اقتصاد عالمي بسرعتين

المعادلة إذن غير محسومة لأي طرف. الاقتصادات المتقدمة تملك رأس المال والبيانات والبنية التحتية والشركات الرائدة. لكن الاقتصادات النامية تملك عمالة شابة وكلفة أقل وفرصة نظرية للقفز فوق مراحل تقنية كاملة، إن هي أحسنت الاستثمار في المهارات والاتصال الرقمي. والفارق بين المسارين، بحسب القراءات المتقاطعة للبنك الدولي وصندوق النقد، لن يُحسم بحجم الإنفاق على الذكاء الاصطناعي بل بسرعة سد فجوة "الجاهزية".

وفي الحالة الأردنية، يرى التل أن البلاد ما تزال بحاجة إلى الانتقال من مجرد استخدام التكنولوجيا إلى إعادة بناء طريقة الإنتاج. ويشير إلى أن لدى الأردن استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي للفترة 2023–2027، تتضمن نحو 68 مشروعًا تركز على المهارات والبحث والاستثمار، لكن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه الأطر إلى استخدام إنتاجي داخل الشركات.

أما احتمال تحمّل الأردن جزءًا من كلفة الموجة العالمية قبل جني عوائدها، فيراه التل «احتمالًا اقتصاديًا قويًا»، لأن الأردن اقتصاد صغير ومنفتح، ولن يكون منتجًا رئيسيًا لمعظم مكونات صناعة الذكاء الاصطناعي، ما يعني أنه سيعتمد بدرجة كبيرة على استيراد التقنيات والخدمات المرتبطة بها. ويقول إن المرحلة الأولى قد تشهد «زيادة في الإنفاق على التكنولوجيا قبل أن يظهر عائد من هذه الإنتاجية»، بما يعني ارتفاع إنفاق الشركات على البرمجيات والخدمات السحابية والحوسبة.

من سيجني الثمار؟

حتى إذا نجحت الاستثمارات الضخمة في تحويل الذكاء الاصطناعي إلى إنتاجية أعلى، يبقى السؤال الاقتصادي الأصعب: كيف ستتوزع هذه المكاسب بين الشركات والمستثمرين والعمال والمستهلكين والدول؟ إذا أنتج الاقتصاد أكثر بالعمالة نفسها، فهل تذهب المكاسب إلى الشركات والمستثمرين، أم إلى الأجور والمستهلكين عبر أسعار أقل، أم إلى خزائن الدول عبر ضرائب جديدة على هذا الثراء الرقمي؟ هذا السؤال، لا أرقام الاستثمار، هو ما سيحدد شكل العقد الاجتماعي القادم.

وفي الأردن، يحدد التل ثلاثة مسارات رئيسية ينبغي التركيز عليها خلال السنوات الثلاث المقبلة: الاستثمار في البنية التحتية، وتدريب الموظفين وتطوير المهارات، ورفع قدرة الشركات على دمج الذكاء الاصطناعي في أعمالها. أما التشريعات والقوانين، فيراها ركنين رئيسيين، لكنهما يأتيان لدعم هذه المسارات وليس بديلًا عنها.

العالم اليوم لا يفتقر إلى الوعود الاقتصادية للذكاء الاصطناعي؛ ما ينقصه هو الدليل على حجم ما تحقق منها فعلًا. فحتى الآن، ثمة اقتصاد كامل ينمو حول بناء الذكاء الاصطناعي: رقائق، مراكز بيانات، طاقة، برمجيات. لكن الاختبار الحقيقي يبدأ حين يتحول هذا الإنفاق إلى إنتاج أكثر وتكاليف أقل وأجور أفضل. فالسؤال لم يعد كم أنفق العالم على الذكاء الاصطناعي، بل: كم اقتصادًا جديدًا بدأ الذكاء الاصطناعي يصنعه فعلًا؟

مقالات ذات صلة