الرئيسية / تكنولوجيا
تكنولوجيا

مختصون ل "أحداث المملكة": الذكاء الاصطناعي يقترب من المساحة الشخصية للمراهق

 مختصون ل "أحداث المملكة": الذكاء الاصطناعي يقترب من المساحة الشخصية للمراهق

 

أنسنة الخوارزميات.. هل يصبح الذكاء الاصطناعي صديق ابنك المفضّل؟

حين تصبح الآلة طرفًا في الحوار

أحداث المملكة _ أيهم العتوم

   لم يعد استخدام المراهقين للذكاء الاصطناعي مقتصرًا على البحث عن المعلومات أو إنجاز الواجبات، بل بدأ يمتد إلى مساحة أكثر خصوصية: الفضفضة، طلب النصيحة، الحديث عن العلاقات، وفهم الذات والمحيط.

 

فالآلة متاحة في أي وقت، وتجيب بسرعة، ولا تبدو وكأنها تحاكم المستخدم أو تشعر بالملل من تكرار السؤال. ومع تكرار الحوار، يمكن أن تنتقل من أداة للبحث عن معلومة إلى طرف يُستشار ويُطلب منه الرأي، وربما إلى رفيق رقمي.

 

وهنا تظهر ظاهرة «الأنسنة الرقمية»، حين ينسب الإنسان إلى النظام غير البشري صفات بشرية، فيبدو له وكأن الآلة تفهمه أو تستمع إليه أو تتعاطف معه. والسؤال هنا لا يتعلق بالتكنولوجيا وحدها، بل بما يحدث عندما يبدأ المراهق في التعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه طرفًا في فهم نفسه والعالم من حوله.

 فخ «التملق الآلي» وتزييف الانحياز

 

تكمن إحدى الإشكالات في أن بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي قد تميل أحيانًا إلى مجاراة المستخدم أو تأييد افتراضاته، بدلًا من تحديها أو تصحيحها، وهو ما يُعرف بـ«التملق الآلي».

 المشكلة ليست في أن تكون الآلة ودودة، وإنما في أن يتحول هذا الأسلوب إلى تأكيد متكرر لأفكار المستخدم، خصوصًا في القضايا الشخصية والعاطفية والخلافات، بما قد يمنحه شعورًا زائفًا بأنه على صواب.

 ويرى الدكتور جميل أبو طربوش، المتخصص في علم النفس الإكلينيكي، أن الذكاء الاصطناعي قد يوفر للمراهق مساحة يشعر فيها بغياب الأحكام المسبقة والفوقية واللوم والنقد والعقاب، وهي مساحة قد لا يجدها دائمًا في محيطه الأسري.

 ويضيف أن توافر الذكاء الاصطناعي على مدار الساعة، واستعداده للاستماع الفوري دون ملل أو ضجر، قد يجعلان المراهق أكثر ميلًا إلى اللجوء إليه، خصوصًا عندما تقدم الاستجابات تأكيدًا لأفكاره. وفي هذه الحالة قد يتشكل لديه شعور زائف بصحة رأيه وبالقبول الكامل له، ما يزيد رغبته في الابتعاد عن توجيه الكبار الذي قد يراه أكثر اعتراضًا أو نقدًا.

 ويحذر أبو طربوش من أن الاعتياد على إجابات توافق المراهق باستمرار قد يضعف قدرته على تقبل النقد ووجهات النظر المخالفة، ويزيد اعتماده على الحلول الجاهزة بدلًا من التجربة والتحليل، كما قد يؤثر في بعض مهاراته الاجتماعية والانفعالية، لأن الحوار مع الآلة لا يتطلب منه قراءة تعبيرات الوجه أو التعامل مع ردود الفعل العاطفية أو تقديم التنازلات التي تفرضها العلاقات الإنسانية.

 

حين تدخل الخوارزمية في تشكيل الوعي

 

لطالما كانت الأسرة والمدرسة والإعلام والمؤسسات الثقافية مصادر أساسية لما يعرفه الإنسان وكيف ينظر إلى الأشياء من حوله. لكن هذا المشهد تغير كثيرًا مع البيئة الرقمية، ولم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للحصول على المعلومة، بل أصبح حاضرًا في الطريقة التي يسأل بها الناس ويفكرون ويكوّنون آراءهم.

 فالإجابة التي يقدمها الذكاء الاصطناعي لا تصل كمعلومة عابرة فقط، بل تأتي بلغة تبدو واثقة، وفي سياق يناسب السؤال، وقد تتكرر أمام المستخدم حتى تصبح مألوفة ومقنعة. وهذا لا يعني أن الآلة تغيّر معتقدات الناس مباشرة، لكنها أصبحت جزءًا من الطريق الذي تمر عبره الأفكار قبل أن تتحول إلى قناعة أو موقف.

 

وهنا تبرز أهمية «إدارة المعتقد الإعلامي» ليس في التحكم بما يعتقده الجمهور، وإنما في فهم ما يحدث للرسالة بعد وصولها إليه، وكيف يمكن أن تؤثر طريقة تقديمها وتكرارها ومصدرها في نظرته إليها وثقته بها.

 ويشرح الدكتور محمد العتوم، رئيس قسم علم الحاسوب في الجامعة الأردنية، أن نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تستطيع التكيف بصورة ملحوظة مع أسلوب المراهق في الحديث، من خلال الكلمات وطريقة طرح الأسئلة وسياق الحوار والموضوعات المتكررة، ما قد يعطيه انطباعًا بأن النظام «يفهمه» بصورة شخصية.

لكن العتوم يوضح أن هذا التكيف لا يعني فهمًا إنسانيًا حقيقيًا، فالذكاء الاصطناعي لا يمتلك تجربة شخصية أو مشاعر أو وعيًا ذاتيًا، وإنما ينتج استجاباته اعتمادًا على الأنماط والسياق والمعلومات المتاحة.

ويشير إلى أن أنظمة المحادثة مصممة لتكون متعاونة وسريعة الاستجابة، وقد تميل أحيانًا إلى مجاراة افتراضات المستخدم أو تأكيد رأيه بدلًا من تصحيحه، مؤكدًا أن موافقة النظام لا تعني صحة الفكرة. لذلك ينبغي التعامل معه كأداة للنقاش وتنظيم الأفكار، لا كأداة لتأكيد القناعات، مع طلب الأدلة ووجهات النظر البديلة والتحقق من المعلومات المهمة.

 عاطفة الآلة وأزمة الاتصال الإنساني

حين يصبح الذكاء الاصطناعي مساحة للحديث عن المشاعر والمشكلات الشخصية، تظهر مسألة أخرى تتجاوز دقة الإجابة إلى طبيعة العلاقة نفسها.

 فالاستجابة التي تبدو متعاطفة لا تعني أن الآلة تعيش التجربة أو تفهم ظروف المراهق كما يفهمها إنسان قريب منه. وهنا تكمن أهمية ألا تتحول سهولة الحوار مع النظام إلى بديل عن الأسرة أو الأصدقاء أو المختصين.

 ويلفت أبو طربوش إلى مجموعة من المؤشرات التي تستحق انتباه الأسرة، منها تفضيل المراهق الشاشة لساعات طويلة، والانسحاب من الأسرة والأصدقاء، والسرية المفرطة، وإخفاء الشاشة عند اقتراب أحد الوالدين، أو الشعور بقلق أو غضب شديد عند فقدان الهاتف أو الإنترنت. ومن المؤشرات أيضًا ربط القرارات الشخصية أو الدراسية أو العاطفية بنصيحة التطبيق دون الرجوع إلى أشخاص موثوقين، أو ظهور تغيرات واضحة في السلوك والمزاج.

 ويرى أن دور الأسرة لا ينبغي أن يقتصر على المنع، بل يبدأ بتوفير بديل عاطفي حقيقي قائم على الحوار والاستماع، إلى جانب وضع حدود للاستخدام وتشجيع المراهق على ممارسة الأنشطة الاجتماعية والواقعية.

 ومن جانبه، يؤكد العتوم أن الذكاء الاصطناعي ليس إنسانًا ولا مختصًا يعرف الظروف الكاملة للمستخدم، وقد يقدم إجابة غير دقيقة أو غير مناسبة للسياق. لذلك يمكن الاستفادة منه في تنظيم الأفكار والحصول على معلومات عامة، لكن لا ينبغي أن يكون المرجع الوحيد في القضايا الحساسة أو القرارات المتعلقة بالصحة أو السلامة أو العلاقات أو الدراسة.

 ويضيف أن الخصوصية تمثل جانبًا آخر من المسألة؛ فنافذة المحادثة لا تعني تلقائيًا أن الحديث يتمتع بالسرية نفسها التي توفرها محادثة إنسانية خاصة، إذ تختلف سياسات التخزين والاستخدام والاحتفاظ بالبيانات بين الخدمات وإعداداتها. ولهذا ينبغي تجنب إدخال كلمات المرور والعناوين والبيانات التعريفية والصور أو الوثائق الخاصة والمعلومات الحساسة.

 من «التربية الإعلامية والمعلوماتية» إلى الدراية بالذكاء الاصطناعي

 في هذه البيئة، لا يعود كافيًا أن يعرف المراهق كيف يستخدم أداة الذكاء الاصطناعي، بل يحتاج إلى معرفة كيف يقرأ ما تنتجه.

 

وتقول الدكتورة رائدة القصار، المتخصصة في الإدارة والقيادة التربوية والمديرة العامة السابقة لكلية الفرير، إن من أهم المهارات التي ينبغي أن يكتسبها الطالب التفكير النقدي، والبحث عن المصادر والتحقق منها، والتمييز بين الحقيقة والرأي، واكتشاف التحيز أو نقص السياق، إلى جانب حماية الخصوصية والانتباه إلى الجانب العاطفي عند استخدام الذكاء الاصطناعي للتعبير عن المشاعر.

 وترى أن المطلوب ليس الرفض الكامل للذكاء الاصطناعي ولا الثقة المطلقة به، وإنما بناء ما تسميه «الثقة الناقدة»، أي الاستفادة من قدراته مع إدراك حدوده واحتمالات الخطأ فيه.

 وتقترح أن تتضمن العملية التعليمية أنشطة عملية تقارن بين إجابات الذكاء الاصطناعي ومصادر موثوقة، وتبحث عن الأخطاء والتحيزات، وتطلب من الطالب تبرير قبول الإجابة أو رفضها. كما ينبغي أن يركز التقييم على طريقة التفكير والمصادر والخطوات، وليس على الإجابة النهائية وحدها.

 المدرسة والأسرة أمام دور جديد

 في مواجهة هذا الواقع، لا تبدو المدرسة قادرة على التعامل مع الذكاء الاصطناعي من خلال المنع أو المراقبة وحدهما.

 

وتؤكد القصار أن المدرسة مطالبة بالانتقال من دور «الرقيب» إلى دور «الموجّه»، من خلال وضع قواعد واضحة تحدد متى وكيف يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في التعلم، وما الذي يمثل دعمًا للتعلم وما الذي يتحول إلى اعتماد كامل أو إخلال بالنزاهة الأكاديمية.

 لكن الأهم، بحسب القصار، هو الحوار مع الطلبة والاستماع إلى تجاربهم ومخاوفهم، وبناء مساحة آمنة تساعدهم على تطوير الرقابة الذاتية واتخاذ قرارات مسؤولة بدلًا من الاكتفاء بمراقبة كل استخدام.

 وتلتقي مسؤولية المدرسة مع الأسرة في بناء الثقة والحوار، لا الخوف والاتهام. فالمراهق الذي يجد من يستمع إليه ويأخذ أسئلته ومشاعره بجدية يكون أقل حاجة إلى البحث عن بديل رقمي للعلاقة الإنسانية.

 المراهق أمام سؤال جديد

 كان التحدي في السابق هو الوصول إلى المعلومة، أما اليوم فيتعلق أكثر بما نفعله بها بعد الوصول إليها.

 فوفرة المعلومات لا تعني بالضرورة امتلاك الوعي بها، وسرعة الحصول على الإجابة لا تعني جودة تقييمها. والذكاء الاصطناعي يختصر الطريق بين السؤال والإجابة، لكن الخطر يبدأ عندما يختصر أيضًا مساحة التفكير والمقارنة والشك.

 لهذا لا ينبغي أن يكون الهدف منع المراهق من استخدام الذكاء الاصطناعي، بل مساعدته على استخدامه دون أن يفقد صوته وقدرته على الحكم.

 من سؤال الآلة إلى سؤال الذات

 ربما لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كان المراهق سيستخدم الذكاء الاصطناعي، فهذا الاستخدام أصبح جزءًا من الواقع، وإنما كم مساحة سيمنحها له في حياته وطريقة تفكيره.

 فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يساعد في التعلم والبحث والإبداع وتنظيم الأفكار، لكن المساعدة تتحول إلى مشكلة عندما تصبح تفويضًا، وعندما يصبح سؤال الآلة أسهل من سؤال الذات، والإجابة الجاهزة أكثر جاذبية من رحلة التفكير نفسها.

 وفي النهاية، قد يكون أهم ما يحتاج المراهق إلى تعلمه ليس فقط كيف يسأل الآلة، بل كيف يسأل نفسه بعد أن يحصل على الإجابة:

 

لماذا صدقت هذه الإجابة؟ وكيف وصلت إليها؟ وما الذي جعلني أثق بها؟

مقالات ذات صلة