الرئيسية / ثقافة و فنون
ثقافة و فنون

من تضاريس الصحراء الأردنية إلى أكاديمية جنيف.. الفنان يعقوب العتوم يكتب: «فلسفةالطين»

من تضاريس الصحراء الأردنية إلى أكاديمية جنيف.. الفنان يعقوب العتوم يكتب: «فلسفةالطين»

 

 

أحداث المملكة 

 

من الطينتبدأ الحكاية

لا يتعامل الفنان يعقوب العتوم مع الطين بوصفه مادةً تنتظر أن تأخذ شكلًا، بقدر ما يراه مادةً تحمل أسئلة عن الإنسان والطبيعة والمكان. في أعماله، تظهر الأشكال العضوية للكائنات، وتضاريس الصحراء، وإشارات الجسد، لا باعتبارها موضوعات جاهزة للنقل، وإنما عناصر يعاد تركيبها داخل لغة خزفية تبحث عن شكلها الخاص.

 

منذ بداياته، انشغل العتوم بالأشكال العضوية وبالتفاصيل الدقيقة في الطبيعة، ولا سيما عالم الحشرات بما يحمله من تعقيد بنيوي وحركة وقدرة على التكيف. وفي الصحراء وجد فضاءً آخر لهذا البحث: الألوان، والتموجات، والخطوط المتعرجة، وآثار الزمن على الأرض. وبين الكائن وبيئته، بدأ يتشكل عالم بصري يضع الإنسان والطبيعة في تكوين واحد.

 

يعمل العتوم غالبًا بتقنية الشرائح الطينية، التي تتيح له بناء كتل وأشكال غير منتظمة، ويستفيد من إمكانات الطين في التعبير عن التكوين والملمس والتشقق. كما تحضر في أعماله بعض الرموز المستمدة من التراث العربي والإسلامي، إلى جانب الخط العربي بوصفه عنصرًا بصريًا معاصرًا، لا مجرد إحالة زخرفية إلى الماضي.

 

لكن الوصول إلى هذه اللغة لم يكن سريعًا. فقد درس الفنون الجميلة في جامعة اليرموك، وتخرج عام 1999، ثم واصل دراسته في مرحلة الماجستير، التي أنجزها عام 2016 من خلال دراسة مقارنة حول تقنيات الـ«راكو» والبريق المعدني والاختزال. وبالتوازي مع الممارسة الفنية، انشغل بالبحث في بنية الأشكال الخزفية، والرموز، والهندسة في الأواني المعاصرة، وما يمكن أن تقوله هذه العناصر عن تحولات الخزف العربي.

 

البحثعن اللغة الخاصة

خلال السنوات العشر الأولى، لم يكن هناك عمل واحد يمكن أن يسميه نقطة البداية الحاسمة. كانت تلك المرحلة أقرب إلى مختبر مفتوح، جرّب فيه تقنيات مختلفة، ومواد ومعالجات سطحية للطلاء والطينة، بحثًا عن نتائج جمالية مقنعة وعن لغة خزفية تخصه.

 

وفي عام 2011، جاءت تجربة «الراكو» بوصفها إحدى المحطات التقنية المهمة في هذا المسار. صنع العتوم طبقًا بهذه التقنية بعد أن تعلمها من الخزاف العراقي شنيار عبدالله. لم تكن التجربة مجرد إضافة تقنية إلى أدواته، بل فتحت أمامه مجالًا أوسع للبحث والتجريب.

 

ثم جاء عام 2015 بمحطة أكثر عمقًا. خاض العتوم أول تجربة له في البريق المعدني، في محاولة بحثية وتقنية لإحياء تقنية تعود إلى الخزف العباسي في القرن التاسع. ولتنفيذ التجربة، بنى أول فرن خزفي له في كلية الفنون والتصميم بالجامعة الأردنية، مستخدمًا تقنية الاختزال الداخلي.

 

ومن البحث في تقنية تاريخية، انتقل العتوم تدريجيًا إلى سؤال آخر: ماذا يمكن أن يقول الخزف عن الطبيعة والإنسان؟

 

الطبيعةبوصفها لغة

هنا اتسعت تجربته. لم تعد الطبيعة بالنسبة إليه مصدرًا للأشكال فحسب، بل أصبحت مجالًا للتأمل في التكيف والبقاء والتحول. الحشرة، بما تختزنه من دقة بنيوية وقدرة على التكيف، تقابل الصحراء بما فيها من قسوة وفراغ وضوء ولون وآثار زمن. وبين الاثنين، يجد العتوم علاقة بين الكائن وبيئته، وبين المقاومة والقدرة على الاستمرار.

 

ولأنه يميل إلى السريالية، لا ينقل الطبيعة كما هي. يأخذ منها عناصرها ثم يدفعها نحو تحولات شكلية وفكرية، بحثًا عن تكوين جديد يمكن أن يحمل معنى إنسانيًا إلى جانب قيمته الجمالية.

 

لذلك لا يرى العتوم أن هناك عملًا واحدًا يمكن وصفه بأنه «نقطة التحول» في تجربته. فكل عمل، بالنسبة إليه، امتداد لمسارين متداخلين: البحث في التراث الأردني، وتوثيق السرديات التاريخية والعناصر المادية وغير المادية والموروث الشعبي، وفي المقابل البحث في الطبيعة بوصفها مساحة لم تستنفد أسرارها بعد.

 

ثلاثةأعمال، وثلاثة اتجاهات في تجربة واحدة: الطبيعة، والمكان، والذاكرة.

 

من بينها عمل خزفي تجريدي مستوحى من الخنفساء أنجزه عام 2022، وأصبح ضمن مجموعة متحف الفن الحديث في الكويت. وفي عام 2019، حصل عمله «الترحال في الصحراء» على جائزة في بينالي الخزف في رومانيا. أما في عام 2026، فقد قدم عملًا جداريًا دعمته وزارة الثقافة الأردنية بعنوان «سردية جرش التاريخية»، يستعيد فيه المكان بوصفه ذاكرة قابلة لإعادة التشكيل.

 

 

حينيصبح الفرن شريكًا

ولا تنتهي علاقة العتوم بالطين عند لحظة تشكيله. فالفرن نفسه يحتل موقعًا في تجربته؛ إذ لا يراه مجرد أداة لإتمام العمل، وإنما شريكًا في إنتاج الشكل واللون. الحرارة قد تعيد تشكيل الطين، وقد تظهر تشققات أو نتائج غير متوقعة بعد ساعات من العمل. وأحيانًا لا يكون الفشل نهاية المحاولة، بل بداية لنتيجة لم تكن في الحساب أصلًا.

 

وإذا كان العتوم يتعامل مع الفرن بوصفه شريكًا في إنتاج العمل، فإنه يتعامل مع الذاكرة بالطريقة نفسها: لا يريد أن يتركها تمر من دون أثر.

 

من هنا بدأ اهتمامه بالخزف العربي بوصفه مجالًا يحتاج إلى التوثيق والقراءة النقدية. ففي عام 2020، أسس على «فيسبوك» مجموعة «موقع الخزف العربي المعاصر»، بهدف توثيق المشهد البصري للخزف العربي وإتاحة مادة يمكن للباحثين والفنانين والأكاديميين الرجوع إليها. وتضم المجموعة أكثر من عشرة آلاف عمل خزفي لفنانين عرب، وأصبحت، وفق العتوم، مرجعًا بصريًا استعان به باحثون وطلاب دراسات عليا في إعداد أطروحات ودراسات متخصصة.

 

من الفنانإلى الموثّق

وفي مسار موازٍ، أطلق مع الخزاف علي العواد مشروع «عاشق الطين»، الذي وثق عبر مقابلات فردية تجارب أكثر من ثلاثين خزافًا عربيًا، متوقفًا عند رحلاتهم الفنية والفكرية في الخزف المعاصر. ونُشرت هذه المقابلات عبر «يوتيوب»، لتشكل أرشيفًا رقميًا لتجارب جزء من تاريخ الخزف العربي المعاصر.

 

وكان من ثمار هذا الاهتمام كتاب «الخزف العربي المعاصر» الذي صدر عام 2023 بدعم من المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت. يوثق الكتاب أكثر من 700 عمل خزفي في نحو 500 صفحة، مقدمًا مادة واسعة عن تجارب الخزافين العرب.

 

وفي عام 2025، اقتنت مكتبة متحف فيكتوريا وألبرت في لندن نسخة من الكتاب، في محطة أضافت بعدًا آخر إلى مشروع التوثيق الذي بدأه العتوم قبل سنوات.

 

ثم جاء كتابه الثاني، «الشكل والمفهوم: قراءات نقدية في الخزف العربي المعاصر»، ليأخذ المشروع من التوثيق إلى مساحة القراءة والتحليل النقدي. وفي عام 2026، وُزّع الكتاب خلال المؤتمر الدولي للأكاديمية الدولية للخزف في الصين، بحضور فنانين وباحثين ومسؤولي متاحف وصالات فنية من بلدان مختلفة.

 

يقول العتوم عن تلك اللحظة: «لم أشعر أنني أحمل كتابي إلى الصين، بل شعرت أنني أحمل معي ذاكرة الخزف العربي لأضعها أمام العالم.»

 

الصين.. حين تعبر الذاكرة الحدود

وللمكان دلالته الخاصة هنا. فالصين واحدة من أقدم الحضارات المرتبطة بالخزف، ولذلك لم يكن حضور كتاب يتناول الخزف العربي في هذا السياق مجرد محطة شخصية بالنسبة إلى صاحبه. كان الكتاب، كما يراه العتوم، مساحة للحوار بين تجارب خزفية عربية وتجارب عالمية، ومحاولة لإظهار أن الخزف العربي قادر على أن يدخل المشهد الدولي من بوابة المعرفة والتجربة، لا من بوابة الحضور الرمزي فقط.

 

أما الاعتراف الدولي بتجربته، فقد أخذ في مسار آخر شكلًا مؤسسيًا. ففي عام 2021، أصبح العتوم عضوًا في الأكاديمية الدولية للخزف (IAC) في جنيف، وهي مؤسسة دولية متخصصة في فن الخزف تجمع فنانين وباحثين من بلدان مختلفة.

 

بالنسبة إليه، لا تختصر العضوية في صفة مهنية. فهي تتيح شبكة من التواصل وتبادل الخبرات، وفرصًا للإقامة الفنية والبحث، كما تمنحه مساحة لتقديم التجربة العربية داخل النقاش الدولي حول الخزف المعاصر.

 

ويقول العتوم إنه عمل أيضًا على التعريف بالأكاديمية وتشجيع الخزافين العرب على الانضمام إليها، مشيرًا إلى ارتفاع عدد الأعضاء العرب، بحسب ما يورده، من ثلاثة إلى 22 عضوًا.

 

الهوية.. ما يحمله الفنان معه

في هذا المسار كله، تظل مسألة الهوية حاضرة، ولكنها لا تظهر عند العتوم بوصفها زخرفة مضافة إلى العمل. فالتراث، بالنسبة إليه، لا يعيش خارج الفنان حتى يستدعيه حين يريد، وإنما يتحول إلى شكل ولون وفكرة من خلال تجربته الشخصية.

لذلك لا يرى أن الفنان العربي مطالب بالذهاب إلى العالم محمّلًا بنسخة من تجارب الآخرين. بل على العكس، عليه أن يحمل معه ذاكرته ومكانه وأسئلته، ثم يعيد صياغتها بلغة تستطيع أن تدخل في حوار مع العالم.

 

ويختصرالعتوم هذه الفكرة بجملة تبدو أقرب إلىبيان شخصي:

 

«نحن لا نذهب إلى العالم لنشبهه، بل نذهب إليه لنضيف إليه شيئًا منّا.»

 

من الأردن إلى جنيف، ومن أعمال الطين إلى الكتب، ومن تضاريس الصحراء إلى قاعات الفن الدولية، لا تبدو رحلة يعقوب العتوم بحثًا عن مكان في العالم بقدر ما تبدو محاولة لأخذ شيء من مكانه معه.

 

ذاكرة أرض، وأسئلة فنان، وطين وجد لغته الخاصة.

 

photo 511
photo 512
photo 513
مقالات ذات صلة