أحداث المملكة - بقلم د. حازم قشوع
تبدو الحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران أكبر من أن
تُقرأ باعتبارها مواجهة عسكرية تقليدية بين طرفين، فحجم الاستهداف وطول الأزمة وتشابك ساحاتها، من الخليج إلى البحر الأحمر والعراق وسوريا، يفتح سؤالاً أكثر عمقاً: ماذا نرى في هذه الحرب، وماذا لا نرى؟ فالحرب الظاهرة تدور حول البرنامج النووي والصواريخ والنفوذ الإقليمي، لكن الحروب الكبرى غالباً ما تخفي خلف أهدافها المعلنة حسابات أخرى تتعلق بإعادة تشكيل موازين القوة، والتحكم في طرق الطاقة والتجارة، وإعادة توزيع مراكز القرار. وربما لهذا السبب تبدو بعض الأسئلة أكثر أهمية من الإجابات الجاهزة، خصوصاً عندما تكون القوة العسكرية الهائلة قادرة على الحسم، لكنها تختار بدلاً من ذلك مساراً طويلاً من الاستنزاف والضغط وإعادة التموضع، وكأن المشهد الظاهر ليس سوى مقدمة لمشهد آخر لم تبدأ فصوله بالظهور بعد.
ومن هنا تأتي فكرة "البوابات النجمية"، لا باعتبارها مجرد صورة من صور الخيال العلمي، وإنما كمدخل للتفكير في ما وراء الظاهر. فالثقوب الدودية التي تحدثت عنها الفيزياء النظرية تفتح احتمالاً رياضياً في بنية الزمكان، وتطرح سؤالاً حول إمكانات العبور بين نقاط بعيدة في الكون، وربما بين مستويات مختلفة من الزمان والمكان. لكن السؤال الأهم ليس فيما إذا كانت البوابة موجودة بالشكل الذي تصورته الروايات، وإنما لماذا ظل الإنسان، منذ أقدم الحضارات، يبحث عن فكرة العبور من عالم إلى عالم المجهول ، ومن مستوى تشخيصي إلى مستوى تجريدي ، وعن المعرفة التي تمكنه من فتح ما يبدو مغلقاً أمامه. فالبوابة في معناها الأعمق ليست بالضرورة باباً مادياً، وإنما قد تكون معرفة أو تقنية أو موقعاً أو قدرة تمنح صاحبها إمكانية الانتقال من حالة إلى أخرى.
وهنا يبرز "علم الأسباب" باعتباره أحد المفاتيح التي تستحق إعادة النظر سيما وقد جابت العلوم القديمه فى بحور العلوم الغائره وفتحت أبواب التفكر علم الأسباب عندما تحدثت عن قصة ذي القرنين بما فيها من دلالة واضحة على اتباع الأسباب وتسخيرها، كما تكشف رحلة سيدنا موسى مع الخضر عن طبقات من المعرفة لا تظهر كلها في ظاهر الأحداث، بينما تضع قصة سيدنا سليمان، وما ارتبط بها من علم وتسخير، أمام الإنسان سؤالاً دائماً عن حدود المعرفة الظاهرة وما وراءها. وليس المقصود تحويل هذه القصص إلى نظريات علمية، وإنما استحضار بعدها المعرفي في سؤال الإنسان القديم والدائم هل كل ما نراه هو كل ما هو موجود؟!..
كما أن كتب السيمياء والخيمياء والريمياء والليمياء التي حفظها التاريخ، وما حملته من رموز وتجارب ومحاولات لفهم المادة والتحول والطاقة، تكشف أن الإنسان القديم لم يتعامل مع الكون باعتباره كتلة صامتة، وإنما باعتباره منظومة من الأسباب والعلاقات والقوانين التي يحاول النفاذ إلى أسرارها عبر بوابات معرفية مازالت فضاءتها مجهوله وان كانت جغرافبتها عند البعض اخذت ما تكون معلومه فى مركز الارض حيت تاتى دلالة السكينه فى المقام المربع فى مكة كما فى
قبة صعودها فى القدس او فى بيان مثلث الطاقه فى الاهرامات كما فى بابل حيث كانت الحدائق او فى البتراء او اصفهان حيث تجرى بيان علوم الاضداد .
لكن ليس المقصود فى هذا المقام مساواة تلك المعارف بالعلم الحديث، وإنما استحضار ذلك المسار الإنساني الطويل في البحث عن المجهول، حيث كانت اللغة الرمزية أحياناً وسيلة للتعبير عما لم يكن ممكناً التعبير عنه بلغة العلم التي نعرفها اليوم. ومن هنا يصبح الفرق بين الماضي والحاضر في أدوات المعرفة أكثر منه في السؤال نفسه؛ فالإنسان ما زال يبحث عن المفاتيح، لكن مفاتيح اليوم أصبحت أكثر تعقيداً وأشد تأثيراً فى الاثر ومحيط حواضن التاثير .
وعندما نعود إلى إيران، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: لماذا كل هذا الإصرار على إبقاء فتيل الأزمة مشتعلاً؟ ولماذا لا تكون الغاية مجرد تدمير منشآت أو إضعاف نظام، وإنما إعادة صياغة إيران نفسها داخل منظومة إقليمية ودولية جديدة؟ فإيران لا تمثل دولة عسكرية فقط، بل تقع على واحدة من أهم بوابات العالم للطاقة، وتملك موقعاً جغرافياً يربط الخليج بآسيا الوسطى، كما ترتبط بأمن مضيق هرمز وشبكة واسعة من طرق التجارة والنفوذ. ولذلك فإن أي تغيير جوهري في وضعها لا يبقى شأناً إيرانياً، وإنما يعيد ترتيب الإقليم بأكمله. فمن يملك البوابة لا يملك المكان فقط، وإنما يملك جزءاً من حركة ما يمر عبره.
وقد تكون المنشآت العميقة تحت الأرض جزءاً من الصورة التي نراها، لكن السؤال الأهم يتعلق بما لا يمكن رؤيته بسهولة حيث شبكات القيادة والسيطرة، المعلومات، القدرات السيبرانية، الأقمار الصناعية، الذكاء الاصطناعي، وأنظمة الاستشعار والإنذار المبكر. فالحرب الحديثة لم تعد دائماً بين دبابة ودبابة أو طائرة وطائرة، وإنما بين منظومات تستطيع أن ترى وتتبع وتتعلم وتقرر قبل أن يكتشف الخصم ما يحدث. ولذلك فإن "اللامرئي" في الحرب الجديدة قد يكون أكثر أهمية من المرئي، ليس لأنه بالضرورة يحمل أسراراً خارقة، وإنما لأنه يمثل البنية التي تتحكم في المشهد من خلف الستار.
لكن الصورة تصبح أكثر إثارة عندما نخرج من إيران إلى الشمال. فالمحيط المتجمد الشمالي يتحول تدريجياً إلى مساحة تنافس دولي متزايد، مع تصاعد الاهتمام بالطرق البحرية والطاقة والموارد والمجال الأمني. وهنا يمكن أن نطرح فرضية سياسية، لا نظرية مؤامرة، مفادها أن صراعات الشرق الأوسط قد تكون مرتبطة بصورة غير مباشرة بصراع أكبر على إعادة تعريف طرق الطاقة والتجارة والنفوذ بين الجنوب والشمال. فإذا كان هرمز بوابة للطاقة، وباب المندب بوابة للتجارة، والسويس بوابة للربط بين الشرق والغرب، فإن القطب الشمالي قد يتحول إلى بوابة جديدة تعيد رسم خطوط الحركة العالمية، وقد يصبح الموقع الجغرافي الذي كان يوماً هامشاً بعيداً عن مركز الصراع أحد مفاتيح النظام العالمي القادم.
وهنا تبدأ كلمة "البوابة" في اكتساب معناها الآخر. فالبوابة ليست بالضرورة باباً له شكل ومكان، وإنما قد تكون نقطة عبور تتحكم في انتقال شيء من حالة إلى أخرى. قد تكون مضيقاً بحرياً، أو ممراً للطاقة، أو شبكة معلومات، أو قمراً صناعياً، أو منظومة ذكاء اصطناعي، أو مركزاً مالياً، أو تقنية قادرة على تغيير ميزان القوة. وقد تكون، في معناها الأبعد، نقطة اتصال بين المعرفة التي نملكها والمعرفة التي لم نكتشفها بعد. ومن هنا يصبح "النجمي" انتقالاً بالمفهوم من حدود الجغرافيا إلى فضاء أوسع يضم الطاقة والمعلومة والزمان والفضاء، بحيث لا تعود البوابة مجرد مكان نعبره، وإنما معرفة تمكننا من العبور.
وعندها يمكن أن نفهم لماذا أصبح الصراع الدولي في جوهره صراعاً على "المفاتيح". فالعالم الجديد قد لا يحتاج إلى احتلال الأرض كما كان يحدث في القرون الماضية، بل إلى السيطرة على بواباتها، وعلى الطاقة التي تمر منها، والمعلومات التي تعبر خلالها، والأقمار التي تراقبها، والأنظمة الذكية التي تديرها. ومن يملك المفتاح لا يحتاج دائماً إلى امتلاك المكان؛ يكفي أن يمتلك القدرة على فتحه أو إغلاقه، أو تحديد من يستطيع العبور ومن يبقى خارجه.
ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى أينشتاين وتسلا ليس باعتبارهما حلقة مكتملة في سلسلة واحدة، وإنما باعتبارهما رمزين لمرحلتين من اتساع السؤال الإنساني. فقد أعاد أينشتاين تعريف علاقتنا بالمكان والزمان والطاقة، بينما فتح تسلا أبواباً واسعة في فهم الكهرباء والطاقة والاتصال. وبين النظرية والتطبيق بقيت مساحة هائلة من الأسئلة التي لم تُغلق أبوابها بعد. فهل يمكن أن يأتي يوم تصبح فيه بعض الأفكار التي تبدو اليوم بعيدة أقرب إلى التطبيق عندما تتلاقى علوم الطاقة والفضاء والذكاء الاصطناعي؟ وهل يمكن أن تتحول القدرة على ربط الأرض بالفضاء، والمعلومة بالطاقة، والذكاء بالقرار، إلى شكل جديد من أشكال العبور؟ ربما تكون الإجابة أقرب مما نعتقد، وربما تكون أبعد مما نتصور.
وهنا تتداخل اللامرئية القديمة مع اللامرئية الجديدة. فالمعرفة التي كانت تُحاط بالرموز في الكتب الغائره فى المضمون والمغزى ، وما ارتبط عبر التاريخ بمحاولات فهم القوى الخفية في الطبيعة، تجد اليوم امتداداً مختلفاً في علوم الحوسبة والفضاء والطاقة والذكاء الاصطناعي. وإذا كان الذكاء الاصطناعي قادراً على وصل كميات هائلة من المعلومات وتحليلها، فإن الذكاء الفائق، إذا بلغ مراحل أكثر تقدماً، قد لا يكتفي بقراءة العلاقات المعروفة، وإنما يستطيع اكتشاف علاقات لم نكن قادرين على رؤيتها. وعندها قد يصبح اللامرئي قابلاً للرؤية، ليس بالسحر، وإنما عبر قدرة جديدة على الربط بين أشياء كانت تبدو منفصلة.
ولهذا فإن بعض المؤشرات التي تظهر في المشهد العالمي قد لا يكون من السهل قراءتها من خلال الخرائط السياسية وحدها. فهناك مسارات تتحرك في الفضاء، ومسارات أخرى في الطاقة والمعلومات، ومساحات معرفية لا تُكشف جميع تفاصيلها للعامة، كما أن بعض التقنيات الاستراتيجية تبقى بطبيعتها بعيدة عن التداول الكامل. وهنا يصبح السؤال المشروع: هل نحن أمام إعادة ترتيب للمكان فقط، أم أمام إعادة ترتيب لمفاتيح المعرفة والعبور؟ وهل يمكن أن تكون الصراعات التي تبدو اليوم منفصلة، من إيران إلى القطب الشمالي، ومن هرمز إلى الفضاء، ومن الطاقة إلى الذكاء الاصطناعي، حلقات مختلفة في مسار واحد أكبر لم تكتمل صورته بعد؟
لكن الأخطر في هذه المرحلة ليس فقط ما يحدث في ميادين الحرب، وإنما ما يرافقها من سرديات وأحاديث عن "حرب النهاية" و"آخر الزمان"، ومحاولات إسقاط روايات تاريخية ودينية على صراعات الحاضر وكأنها تمنح الحرب معنىً غيبياً أو قدراً محتوماً. وهنا يصبح من واجب العقل السياسي والإعلامي أن يضع هذه الأقوال عند حدودها، لأن الحرب عندما تفقد تفسيرها السياسي والأمني الواضح، يصبح من السهل أن يملأ الفراغ أصحاب التأويلات التي تجعل من الصراع مقدمة لنهاية العالم، أو من الدماء جزءاً من سيناريو مقدس لا يجوز الاعتراض عليه.
وفي هذا السياق، فإن كل تصريح يُنسب إلى مسؤول في موقع القرار حول "المسيح الدجال" أو "حرب النهاية" أو أي تصور ديني يُسقط مباشرة على الحرب الراهنة، يستوجب التوضيح من صاحبه قبل أن يتحول إلى مادة للتوظيف السياسي. فإذا كان ما نُسب إلى نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس قد صدر عنه فعلاً، فإن عليه أن يوضح للرأي العام موقعه من هذه الأفكار وسياقها ودلالتها، وإذا كان قد نُسب إليه على غير الحقيقة، فإن عليه أيضاً أن يوضح ذلك وينفيه. فالمسألة ليست في إثبات نبوءة أو نفيها، وإنما في منع تحويل معتقدات وتأويلات آخر الزمان إلى أدوات لفهم الحرب أو تبرير استمرارها.
إن ما يحدث اليوم أصبح من الضخامة والقسوة بحيث لا يحتمل أن يبقى بلا تفسير سياسي واضح، ولا يجوز أن تتحول معاناة الشعوب ودماء المدنيين إلى مادة لتغذية سرديات النهاية. فالحرب في النهاية قرار بشري، والسياسة مسؤولية بشرية، والدم الذي يسفك على الأرض ليس استعارة في كتاب قديم، وإنما حياة إنسان لا تعود. ومن هنا فإن تعرية هذه الأقوال لا تعني مهاجمة الدين أو مصادرة الإيمان، وإنما تعني الفصل بين الإيمان بوصفه عقيدة، وبين توظيف التأويلات الدينية في صناعة القرار السياسي أو إعطاء الحروب غطاءً غيبياً.
إن أخطر ما في المرحلة الحالية أن العالم قد يكون ينتقل من صراع السيطرة على الأراضي إلى صراع السيطرة على "المفاتيح". ومن يملك المفتاح لا يحتاج دائماً إلى احتلال المكان، بل يكفي أن يتحكم في بوابته. ولذلك فإن سؤال "البوابات النجمية" قد يتجاوز سؤالاً فيزيائياً عن الانتقال عبر الزمكان ليصبح سؤالاً عن الانتقال بين العصور نفسها. فالمعركة القادمة قد لا تكون على الأرض وحدها، ولا على الممرات البحرية وحدها، ولا على الفضاء وحده، وإنما على القدرة التي تمكن صاحبها من الانتقال من منظومة إلى منظومة قبل الآخرين.
ولهذا فإن ما يجري في المنطقة يستحق أن يُقرأ بعينين؛ عين ترى الحرب كما تظهر على شاشات الأخبار، وعين تبحث عما وراء المشهد من تحولات في الطاقة والتكنولوجيا والفضاء والممرات ومراكز القرار، ولكن أيضاً في الأفكار والسرديات التي تحاول تفسير هذا المشهد وتوجيه المستقبل. فربما لا تكون "البوابات النجمية" موجودة بالشكل الذي صورتها الروايات، وربما تكون موجودة في صورة أخرى لم نصل إلى تعريفها بعد. لكن البوابات الاستراتيجية موجودة بالفعل، والذين يملكون مفاتيحها يستطيعون أن يغيروا اتجاه العالم.
وربما تكون المفارقة الأهم أن البوابة النجمية التي يبحث عنها الإنسان في أعماق الكون قد لا تكون في السماء أصلاً، وإنما
في المعرفة نفسها. فربما لا تكون البوابة التي تنقل الإنسان من مكان إلى آخر، وإنما المعرفة التي تنقله من عصر إلى عصر. وعندها يصبح السؤال الحقيقي ليس أين توجد البوابة، بل من يمتلك مفتاحها، ومن يعرف إلى أين تقود، ومن يملك القدرة على العبور عندما يحين وقت العبور. أما الذين يحاولون اختصار المستقبل في نبوءات "حرب النهاية"، فإن واجبنا أن نضع أقوالهم عند حدها، وأن نعيد الإنسان والعقل والمعرفة إلى مركز السؤال، لأن المستقبل لا تصنعه النبوءات، وإنما تصنعه القرارات ومفاتيح المعرفة التي يملكها من يسبق إلى بوابة العبور ليست من البوابات الغيبيه بل من مداخل الواقعيه السياسيه التى تاهت فى دوامة البحث عن مسار بسبب غياب المرجعيات القانونيه الضابطه ونتيجة الخلل الذى اصاب نظام موازين القوى الذى اخذ يكون مختل وهذا ما جعل البعض القليل يقود مجموع القطيع للبحث عن البوابات النجمية .
