الرئيسية / صحة
صحة

لغز الجهاز المناعي.. كيف كشف العلم امراضاً غامضة كانت مخفية عن الانظار؟

لغز الجهاز المناعي.. كيف كشف العلم امراضاً غامضة كانت مخفية عن الانظار؟

تشهد الانظمة الصحية حول العالم تصاعدا ملحوظا في رصد امراض المناعة الذاتية التي باتت تشكل تحديا طبيا معقدا. وتكشف التطورات العلمية الاخيرة ان هناك حالات مرضية لم تكن معروفة سابقا بدات تظهر بوضوح. وتوضح الدراسات ان التحول في نمط الحياة والبيئة وعوامل العدوى تلعب دورا جوهريا في زيادة معدلات الاصابة التي قد تصل الى 10 بالمئة من سكان العالم وفق تقديرات حديثة وموسعة.

واظهرت البيانات المستمدة من سجلات صحية شملت ملايين الافراد ان هناك تفاوتا كبيرا في انتشار هذه الامراض بين المناطق الجغرافية المختلفة. وبين العلماء ان العبء الصحي لهذه الاعتلالات مرشح للنمو في العقود القادمة نتيجة لتداخل عوامل بيئية معقدة. واكدت التقارير ان التطور الكبير في ادوات التشخيص الجيني ساهم بشكل مباشر في تحديد هويات امراض كانت تصنف سابقا تحت مسميات غير دقيقة او غامضة.

وتحدث امراض المناعة الذاتية عندما يفقد الجهاز المناعي قدرته على التمييز بين خلايا الجسم السليمة والعناصر الغريبة. واضاف الباحثون ان هذا الخلل يؤدي الى التهابات مزمنة قد تتسبب في تلف الاعضاء بمرور الوقت. واشاروا الى ان السبب الدقيق لهذه الاضطرابات يظل لغزا كبيرا يجمع بين الاستعداد الجيني وعوامل خارجية مثل التدخين والنظام الغذائي غير الصحي والتلوث البيئي المتزايد.

متلازمات طبية جديدة تحت المجهر

وكشفت الابحاث عن متلازمات نادرة مثل فيكساس وسافي وكوبا التي صنفت بدقة ضمن امراض الالتهاب الذاتي. واوضحت الدراسات ان هذه الحالات كانت موجودة بالفعل لكن التقدم في تقنيات التسلسل الجيني هو الذي سمح بتجميع الاعراض المتفرقة تحت تشخيص واحد. وبين الاطباء ان هذه الامراض تختلف في آلياتها عن الامراض المناعية التقليدية مما يتطلب نهجا علاجيا مختلفا كليا يتناسب مع الطبيعة الجينية الفريدة لكل حالة مرضية تم رصدها حديثا.

واكد الخبراء ان متلازمة فيكساس التي دخلت القاموس الطبي مؤخرا ترتبط بطفرات مكتسبة في جين معين لدى البالغين. واوضحت البيانات ان هذه الحالة تصيب الرجال بشكل اكبر بعد سن الخمسين وتتسبب في التهابات جهازية حادة. واضافت الدراسات ان شيخوخة السكان قد تؤدي الى ظهور المزيد من هذه الحالات امام الاطباء مستقبلا. وشدد المتخصصون على ضرورة تعزيز الوعي بهذه الاعراض لضمان التشخيص المبكر والتدخل الطبي السريع للمرضى الذين يعانون من اضطرابات دموية والتهابات جلدية مجهولة السبب.

وبينت الابحاث ان متلازمة سافي النادرة تنتج عن طفرات تؤدي لفرط نشاط بروتين معين مسؤول عن الدفاع المناعي. واوضحت ان المرض يظهر غالبا في مرحلة الطفولة ويؤثر على الاوعية الدموية والرئتين. واضافت الدراسات ان متلازمة كوبا المكتشفة عام 2015 ترتبط بطفرات جينية تؤثر على الجهاز المناعي. واكد الباحثون ان هذه الامراض تفتح آفاقا جديدة لفهم كيفية تفاعل العوامل الجينية مع البيئة المحيطة لتحديد من تظهر عليه الاعراض ومن يبقى حاملا للطفرة دون تاثير.

عوامل بيئية وتحديات ما بعد الجائحة

وتضع المواد الكيميائية المعروفة بالمواد الابدية تحت مجهر البحث العلمي لارتباطها المحتمل باضطرابات المناعة. واظهرت مراجعات علمية حديثة وجود علاقة بين التعرض لهذه المركبات وبعض مؤشرات الامراض المناعية. واضاف الباحثون ان هذه المواد تتراكم في البيئة وتصعب ازالتها. واكدت الدراسات ان الحاجة ماسة لاجراء ابحاث طويلة الامد لاثبات علاقة سببية مباشرة بين هذه الملوثات الكيميائية وبين امراض مثل الداء البطني والتهابات الامعاء المزمنة التي باتت تنتشر بشكل متسارع بين مختلف الفئات العمرية.

وبينت دراسات اخرى ان المبيدات الزراعية قد تلعب دورا في زيادة احتمالات الاصابة بمرض الذئبة والتهاب المفاصل الروماتويدي. واوضحت ان النتائج تختلف بناء على نوع المادة الكيميائية ومدة التعرض لها. واضاف الخبراء ان التعامل مع المبيدات كعامل واحد هو امر غير دقيق علميا. واكدوا ان الدراسات التي شملت العاملين في القطاع الزراعي اثبتت تعقيد هذه العلاقة. وشددوا على ضرورة اتخاذ اجراءات وقائية صارمة لحماية الافراد من التعرض المباشر لهذه المواد التي قد تحفز استجابات مناعية غير طبيعية في الجسم.

وكشفت الابحاث عن وجود رابط بين الاصابة بفيروس كورونا وظهور امراض روماتيزمية مناعية لاحقة. واوضحت دراسات شملت بيانات واسعة ان العدوى الشديدة تزيد من مخاطر الاصابة بهذه الاضطرابات. واضاف الباحثون ان كوفيد طويل الامد يظل قضية محيرة تتطلب متابعة دقيقة. واكدوا ان النسب المسجلة عالميا متفاوتة بشكل كبير مما يحذر من تعميم النتائج. وبينوا ان الجهاز المناعي يظل في حالة استنفار بعد العدوى مما يجعله اكثر عرضة للخطأ ومهاجمة انسجة الجسم السليمة في ظاهرة تستوجب المزيد من الدراسة.

مستقبل فهم الامراض المناعية

وتشير الخلاصة العلمية الى انه لا يوجد عامل وحيد مسؤول عن هذه الزيادة في الامراض المناعية. واضاف العلماء ان الجينات والبيئة والعدوى تتفاعل معا لسنوات قبل ظهور المرض. واكدوا ان الثورة التقنية في علم الجينات مكنتنا من تسمية امراض كانت غامضة سابقا. وبينوا اننا امام سباق علمي مستمر لفهم تعقيدات جهازنا المناعي. وشددوا على ان القدرة على الرؤية والتشخيص هي الخطوة الاولى نحو الوصول الى علاجات مبتكرة وفعالة قادرة على مواجهة هذه التحديات الصحية المتزايدة في عالمنا المعاصر.

مقالات ذات صلة