الرئيسية / مقالات
مقالات

أدَبُ العَلاقَاتِ وَالتِمَاسُ الأعْذَار: حِينَ تَكُونُ البَصِيرَةُ سَنَدًا لِلرُّوح

أدَبُ العَلاقَاتِ وَالتِمَاسُ الأعْذَار: حِينَ تَكُونُ البَصِيرَةُ سَنَدًا لِلرُّوح

أحداث المملكة - بقلم سامي العتيلات 
​تَسْتَقِيمُ الحَيَاةُ وَتَصْفُو العَلاقَاتُ الإنْسَانِيَّةُ حِينَ نُدْرِكُ أنَّ مَا يَظْهَرُ مِنَ النَّاسِ لَيْسَ سِوَى الْقِشْرَةِ السَّطْحِيَّةِ لِعَوَالِمَ عَمِيقَةٍ مُمَتَلِئَةٍ بِالتَّفَاصِيلِ وَالتَّحَدِّيَات. 
فِي تِلْكَ المَسَاحَةِ الفَاصِلَةِ بَيْنَ الظَّاهِرِ وَالبَاطِن، يَتَجَلَّى «أدَبُ التَّمَاسِ الأَعْذَار» كَأَسْمَى دَرَجَاتِ الوَعْيِ وَالأَخْلاق، فَالْتِمَاسُ العُذْرِ لَيْسَ غَفْلَةً عَنِ الحَقَائِق، بَلْ هُوَ شَجَاعَةٌ أَخْلاقِيَّةٌ فِي تَغْلِيبِ حُسْنِ الظَّنِّ وَصِيَانَةِ المَوَدَّة.
​ وكما صَاغَهَا المفكر الدكتور مصطفى محمود: «لو دخل كل منا قلب الآخر لأشفق عليه... ولرأى عدل الموازين الباطنية برغم اختلال الموازين الظاهرية». إنَّ المَوَازِينَ الظَّاهِرَةَ كَثِيرًا مَا تَكُونُ خَدَّاعَة؛ فَقَدْ نَرَى فِي صَمْتِ الآخَرِ جَفَاءً وَهُوَ فِي الحَقِيقَةِ إِنْهَاك، وَقَدْ نَظُنُّ الابْتِعَادَ تَجَاهُلًا وَهُوَ فِي الوَاقِعِ اسْتِرَاحَةُ مُحَارِبٍ يُرَمِّمُ شَتَاتَ رُوحِهِ بَعْدَ مَعَارِك خَفِيَّة.
​ويَأْتِي المَعْنَى العَمِيقُ لِلأَدِيبِ مصطفى صادق الرافعي لِيُذَكِّرَنَا: «في كل إنسان تعرفه إنسانٌ لا تعرفه». تِلْكَ المَسَاحَةُ المَجْهُولَةُ هِيَ المَلْجَأُ الخَاصُّ لِلْمَرْء، تَكْمُنُ فِيهَا صِرَاعَاتُهُ اليَوْمِيَّةُ وَأَحْلاَمُهُ الصَّامِتَة.
إنَّ اسْتِحْضَارَ وُجُودِ هَذَا "الإِنْسَانِ الخَفِيِّ" يَجْعَلُنَا أَكْثَرِ قَبُولًا لِلأَعْذَار، وَأَقَلَّ شَغَفًا فِي التَّدْقِيقِ عَلَى الهَفَوَاتِ أَوِ المُحَاكَمَةِ القَاسِيَة.
​ان التِمَاسُ العُذْرِ يُحَرِّرُ صاحِبَهُ قَبْلَ أنْ يُحَرِّرَ الآخَرِين؛ فَعِنْدَمَا نَمْنَحُ مَنْ حَوْلَنَا مَسَاحَةً مِنَ التَّفَهُّم، نَحْمِي أَنْفُسَنَا مِنْ سُمُومِ الظَّنِّ وَالشَّكّ، وَنَبْنِي جُسُورًا مَتِينَةً مِنَ التَّوَاصُلِ القَائِمِ عَلَى الأَمَانِ لا العَتَب.
​إنَّ أَعْظَمَ مَا نُقَدِّمُهُ لِبَعْضِنَا بَعْضًا فِي ظِلِّ ضَغَوطات الحَيَاةِ المُعَاصِرَةِ هُوَ مِلْءُ القُلُوبِ بِالرَّحْمَةِ وَالتَّغَافُل. أنْ نَعْلَمَ أنَّ غِيَابَ المَرْءِ أوْ تَعَثُّرَهُ المُرُورِيَّ لَنْ يَنْقُصَ مِنْ رَصِيدِهِ لَدَيْنَا، وَأَنَّنَا سَنَبْقَى دَائِمًا نَرَى الجَانِبَ الطَّيِّبَ الَّذِي نَعْرِفُه، غَافِرِينَ لِلْجَانِبِ الَّذِي أَرْهَقَهُ التَّعَب.

مقالات ذات صلة