يعيش القطاع الصحي في لبنان حالة من التدهور غير المسبوق نتيجة تداخل الازمات الاقتصادية والسياسية والحروب المتلاحقة التي عصفت بالبلاد، مما جعل مرضى السرطان يواجهون مصيرا مجهولا في ظل نقص حاد في الادوية.
وكشفت تقارير حديثة عن ارتفاع مخيف في معدلات الاصابة بالاورام الخبيثة، حيث تشير الاحصائيات الى زيادة كبيرة في الحالات المسجلة خلال العقود الماضية، وهو ما يضع النظام الصحي امام اختبار وجودي صعب ومعقد.
واظهرت البيانات ان لبنان اصبح يسجل واحدة من اسرع نسب النمو في الاصابات الجديدة بالسرطان عالميا، وسط عجز المؤسسات الاستشفائية عن تلبية الاحتياجات المتزايدة للمرضى الذين يفتقرون الى ابسط مقومات الرعاية الصحية.
ازمات متداخلة وخانقة
واضافت الازمات الاقتصادية منذ عام 2019 عبئا اضافيا على كاهل العائلات، حيث تلاشت القدرة الشرائية للمواطنين، مما ادى الى توقف الكثيرين عن متابعة العلاج الكيميائي او شراء الادوية الضرورية للبقاء على قيد الحياة.
واكدت مصادر طبية ان هجرة الاطباء والممرضين نحو الخارج بحثا عن فرص افضل فاقمت الفجوة في الخدمات، بينما ساهمت الغارات العسكرية في تدمير مراكز علاج متخصصة واجبار المرضى على النزوح القسري بعيدا عن مشافيهم.
وبينت التقارير ان تضرر البنية التحتية الصحية دفع النظام الى حافة الانهيار، حيث اصبح تأمين جلسات العلاج المنتظمة حلما بعيد المنال للكثيرين، مما يعرض حياتهم للخطر المباشر نتيجة انقطاع البروتوكولات العلاجية الحيوية.
ارقام مفزعة وضغط مستمر
وكشفت ارقام المرصد العالمي للسرطان عن تسجيل الاف الاصابات الجديدة سنويا، مع تصدر سرطان الثدي والرئة قائمة الامراض الاكثر انتشارا، مما يفرض ضغطا هائلا على الموارد المحدودة المتاحة في المستشفيات الحكومية والخاصة.
واوضحت الدراسات ان الفجوة بين الاحتياجات الفعلية والخدمات المقدمة تتسع يوما بعد يوم، مما يترك المرضى في مواجهة مباشرة مع الموت، في وقت تفتقر فيه البلاد الى استراتيجيات وطنية شاملة للسيطرة على هذا التفشي.
وشدد خبراء الصحة على ان غياب التمويل الكافي لقطاع الادوية المستوردة جعل المرضى رهينة لتقلبات الاسواق، مع تزايد اعداد الوفيات المرتبطة بشكل مباشر بعدم القدرة على الوصول الى مراكز التشخيص والعلاج المتطورة.
تلوث ومخاطر بيئية
واكدت تقارير بيئية ان الاعتماد الكلي على مولدات الديزل الخاصة بسبب انقطاع التيار الكهربائي ساهم في رفع مستويات تلوث الهواء، مما خلق بيئة خصبة لزيادة المخاطر الصحية وتفاقم حالات الاصابة بالامراض السرطانية.
وبينت التحليلات ان التعرض المستمر لانبعاثات المولدات في المناطق المكتظة سكانيا يعد عاملا مساهما في تعقيد الحالة الصحية العامة، خصوصا مع ضعف التوعية والوقاية في ظل انشغال السلطات بالازمات الامنية والسياسية الضاغطة.
واضافت ان التكاليف الباهظة للفحوصات الدورية جعلت من الكشف المبكر ترفا لا يقوى عليه معظم الفقراء، مما يؤدي الى اكتشاف الحالات في مراحل متأخرة جدا، حيث تصبح فرص الشفاء محدودة للغاية ومكلفة جدا.
واقع مرير تحت القصف
وكشفت وزارة الصحة اللبنانية ان جزءا كبيرا من المستشفيات التي تقدم خدمات علاج السرطان خرجت عن الخدمة بسبب القصف، مما ادى الى حرمان الاف المرضى من الوصول الى العلاجات الكيميائية والاشعاعية الضرورية.
واوضح المسؤولون ان الصيدليات ايضا واجهت توقفا في عملياتها، مما خلق ازمة دواء خانقة، واجبر المرضى على التنقل في ظروف محفوفة بالمخاطر بحثا عن ادويتهم المفقودة، وهو ما يهدد بانهيار كامل للمنظومة.
واكد المرضى ان رحلتهم العلاجية تحولت الى صراع من اجل البقاء، حيث يجمعون بين الخوف من المرض والخشية من فقدان العلاج، في ظل غياب اي افق زمني واضح لانتهاء هذه المعاناة الممتدة.
