الرئيسية / مقالات
مقالات

التعليم الثانوي..نحو تعليم حر خالٍ من القيود الزمانية والمكانية في عصر الرقمنة

التعليم الثانوي..نحو تعليم حر خالٍ من القيود الزمانية والمكانية في عصر الرقمنة

 أحداث المملكة - بقلم  بلال الذنيبات

في ظل عصر الرقمنة والتحول الثقافي المصاحب له، شهدت العديد من القطاعات تغيرات جذرية، ومنها التعليم، الذي ترافق تاريخيا مع الأسوار والقيود الزمانية-حصص مجدولة خلال ساعات معينة، ومكانية-غرف مكتظة وغير مريحة وربما مثبطه للتعلم، إلى جانب بدائل عصرية مرتبطة بالمنصات والبطاقات والامتحانات المحوسبه.

في جيل اليوم، نلاحظ أن المدرسة التقليدية، والتي تنشأنا فيها نحن "جيل الطيبين"، لم تعد سوى عبء، تتمثل برصد الحضور والغياب، ومحاولة تدجين للجيل، عبر روتين يومي مُمل الصحوة باكرًا والطابور وتوالي الحصص ذات البيئة المكتئبة-وقد تكون غير صحية من ناحية عدم توفر المكيفات صيفا والتدفئة شتاء.

ولكن وفي المقابل نجد أن معظم الطلبة، والذين يطمحون إلى تجاوز الامتحان الوزاري في المرحلة الثانوية، يلجأون للأساتذة الخصوصيين والمراكز والبطاقات والمنصات.

هنا نتساءل؟ لماذا لا تفكر وزارة التربية والتعليم وتطوير الموارد البشرية، وهي في طور التحول إلى وزارة تختص برسم السياسات العامة للمراحل من رياض الأطفال وحتى المراحل التعليمية المتقدمة، إلى الخروج من جلبة ترصيد الحضور والغياب وتحرير التعليم الثانوي من القيود الزمانية والمكانية؟

ولماذا لا تجنح الوزارة-في المستقبل إلى توزيع كوادرها من المعلمين والاداريين إلى صناع محتوى تربوي، ضمن منصة حكومية تفاعلية واحده تقدم التعليم الثانوي عبر حصص تفاعلية على مدار الساعه، حيث يترك للطالب حرية اختيار متى يدرس ومن يريد من المدرسين؟، على أن يتم وضع آلية الراتب حسب النتاج الأكاديمي والبحثي للمعلم، إلى جانب تقييم طلبته واقبالهم على دروسه، ومنحه دورات تدريبية متقدمة تتواءم مع هذا التحول.

لا أقول إلغاء المدرسة، ولكن تتاح الخيارات كافة للطلبة، فهنالك دوام مدرسي متاح للطلبه، وجدول حصص معلن-يملك الطالب حرية الحضور  فيه من عدمه، إلى جانب منصات تعليمية مرخصه ويعمل فيها معلمين مؤهلين، ومراكز  ذات مواصفات متقدمه توفر الراحة، مع وضع جدول للرسوم المالية لكل من تلك الخيارات.

ثم لماذا نبقى حصيري الكتاب المدرسي بالغ التكلفة، ونحن في المقابل بإمكاننا توفير المحتوى التعليمي عبر ملفات يسهل تحميلها على الهاتف المحمول-ولا أدري لماذا تراجع المركز الوطني لتطوير المناهج عن تجربة السماح بتنزيل الكتب المدرسية، والتي وفرت الكتب بصورة شبه مجانيه للطلبه.

وجيل Z اليوم بحاجة لمحتوى رقمي ومتطور، فلم تعد أساليب التلقين والحوارات داخل الغرف الصفية والتي يفرض فيها اشتراطات ضبط صارمه تقيد الحركه وتفرض نظام من التواجد غير المبرر وفي معظمه يقع تحت مظلة الخوف من تبعات الغياب بدون فائدة، بدلالة الاعتماد على المنصات الخاصة والتي حولت بعضها التعليم الأردني إلى تجارة وأغرقت الطلبة والأهالي بدوامة من المعلومات والمبالغات غير المنطقيه، في حين من الممكن ضبط المنصات التعليمية ومدرسيها على قدم المساواة بالمدارس الخاصة والحكومية.

وفي عصرنا هذا اليوم، من المُعيب تعليميا، جامعات ومدارس، البقاء قيد المعلومات المجردة، والتعليم المرتكز على حشو الرؤوس والحصص القائمة على الزمكان-الزمان والمكان المحددان، بديلا عن التركيز على المهارات والتفكير النقدي وتطبيق المعرفة والمواهب، كمتطلب أساس في الثورة الرقمية التي نعيش ما بعد "جائحة كورونا".

ورغم وجود تجارب فردية على مستوى الجامعات، ولكن تعميم التجربة في مرحلة التعليم الثانوي، حيث يصبح على الطالب البحث عن المعلومة في مراجعها التقليدية والرقمية، وتضمين الذكاء الاصطناعي في عملية البحث تلك، ما من شأنه تعزيز ثقافة البحث عن المعرفة.

كما وأن التقييم يجب أن يكون في التعليم الأكاديمي-كما التقني والمهني "بيتيك"، يقوم على إنجاز المشاريع البحثية، حيث يكلف الطالب بصورة مضبوطة بالبحث عن المعلومة وتوظيف الذكاء الاصطناعي في  ذالك، على أن يتم منحه دورات تدريبية بكيفية التعامل مع تلك التقنية، ما يخلق قدرات معرفية تحليلية عليا، سيما عند ربط المعرفة بالواقع المعاشي اجتماعيا وثقافيا واقتصاديا، ما يجعل التعليم الأكاديمي أكثر ارتباطا بسوق العمل والحياة الاجتماعية.

كما ومن الممكن أن تستعين المنصة الحكومية المقترحة، في تقنية التعليم التكيفي الذكي بواسطة الخوارزميات الذكية، عبر نظم إدارة التعلم المدعمة بالذكاء الاصطناعي، حيث يتم تحليل مهارات الطالب في مجالات مختلفه مثل الدراسات الاجتماعية والانسانية والرياضيات واللغات والكيمياء والفيزياء والجيولوجيا والبيولوجيا، حيث يتم ترقية الطالب حسب المستوى خلال مرحلة دراسته الثانوية-تمتد ٣ سنوات من الصف العاشر وحتى الصف الثاني عشر، مع امتحان يقيس المهارات والمعارف التي حققها خلال تلك المدة.

ولا ننسى الإشارة إلى مشكلة "عملقة المناهج"، التي أثارت الطلبة خلال العام الدراسي الفائت، حيث من الممكن التحول الى التعليم المصغر القائم على المفاهيم الكبرى، والتقييم المنقسم إلى نوعين تقييم نوعي يقيس التطور خلال مراحل الدراسة عبر المنصة المقترحة وتطور المهارات والمشاريع والأبحاث، إلى جانب امتحان تحصيلي يقيس المهارات والمفاهيم الكبرى-لا الحفظ التقليدي، إلى جانب قياس التفكير الابداعي ضمن أسئلة الذكاءات المتعدده.

وتشير تقارير منظمة اليونسكو، تقرير ٢٠٢٣، والذي عُني برصد التعليم والتكنولوجيا كأداة في خدمته، حيث يجب توظيف التكنولوجيا في خدمة التحول نحو تعليم نوعي، لا مجرد الحشو والمساهمة في ظاهرة "عملقة المناهج" التي دأبت عليها الأردن العام الفائت، استمرارا في الإرث التقليدي القائم على الكتاب والحصه والتعليم ذات الاتجاه الواحد-من المعلم الى الطالب.

ويتفق هذا مع رجل الأعمال والمفكر العالمي، طلال أبو غزالة، في التوجه نحو تعليم خال من الجدران والأسوار، تعليم متاح عبر الانترنت، يعمل باتجاهين، ويقوم على تعليم نوعي، يعزز المهارات والإبداع والإبتكار، بدلا من مجرد الحشو.

أردنيا، والشيء في الشيء يذكر، لا ننسى الجهد المبذول في وزارة التربية والتعليم وتطوير الموارد البشرية، حيث ساهمت وبالتعاون مع اليونسكو، في وضع الخطة الاستراتيجية للتعليم ٢٠٢٦-٢٠٣٠، كإطار استراتيجي شامل للحكومة من أجل تحول القطاع التعليمي ضمن الخطة الخمسية ٢٠٢٦-٢٠٣٠، كمحور من محاور رؤية التحديث الاقتصادي، بقيادة كريمة من لدن جلالة الملك، عبدالله الثاني بن الحسين، حفظه الله ورعاه، وتتضمن تعزيز التحول الرقمي في المراحل التعليمية كافة.

وتعزز هذه الاستراتيجية الحكومية، التي يقودها د.عزمي محافظة، كوزير للتربية والتعليم وتطوير الموارد البشرية، بما يحظى فيه من مكانة مرموقة أكاديميا، الجودة والحوكمة والصمود في سبيل مواءمة أولويات التنمية الوطنية مع الالتزامات الدولية، والانتقال نحو اقتصاد أكثر تنافسية ودمجا وابتكارا وجاهزية للمستقبل، عبر تحليل دقيق للتعليم بدأ العام ٢٠٢٥م، وحدد الأولويات في التحديات التي تواجهه.

وقد مثلت منصتي أجيال وسراج، تجربة وطنية في التحول نحو الإدارة التربوية الالكترونية، وتوظيف الذكاء الاصطناعي التوليدي والتعلم الكيفي لتوفير تجارب تعلم مخصصة نوعيا لطلاب المدارس، ولكنها كحال أي تطور مُخطط، تحتاج المزيد من التطوير، وتوظيف الكفاءات الرقمية الموجودة محليا، واعتماد حزمة من دراسات الآثر للتجربة، والبناء عليها وتطويرها.

كما ويجب معالجة المعيقات البيئية، سيما تغطية الانترنت للمناطق الهامشية، عبر صندوق مُخصص لدعم التحول الرقمي في التعليم، تعتمد موارده على الرسوم المصاحبه للتعلم عبر المنصة المقترحة، دون تحميل الأهالي المزيد من الأعباء المالية.

علما أن تقرير المؤشرات الاحصائية لواقع الشباب الأردني بمناسبة اليوم العالمي للشباب، العام ٢٠٢٦، والصادر مؤخرا، يشير بوضوح أن ١٠٠٪ من الشباب يستخدمون الانترنت، الأمر الذي يعني للطلبة ولوج ميسر للانترنت، كما وأن هذا الواقع يحفز التحول نحو تعليم بلا قيود زمكانية.

أخيرا، تعد هذه المقال مشاركة من صاحبها، في نقاش عام حول التطور المنشود خدمة لمصالح أبنائنا وبناتنا الطلبه، والتي نصبو من خلاله إلى ضمان مكانة أكثر تقدما لوطننا في التعليم الموجه نحو المستقبل والتنمية المستديمة، من واقع تجربة كاتبها كمدرس لمادة علوم النفس والاجتماع- من منظور علم الاجتماع التربوي. 

معلم علوم النفس والاجتماع وطالب ماجستير علم اجتماع في الجامعة الأردنية
 

photo 323
مقالات ذات صلة