الرئيسية / مقالات
مقالات

التبرعات للكلاب في الصحراء… بين الرحمة وضرورة التنظيم

التبرعات للكلاب في الصحراء… بين الرحمة وضرورة التنظيم

أحداث المملكة - بقلم ميساء المواجدة 

في السنوات الأخيرة، ظهرت مبادرات وأفراد يجمعون التبرعات لإطعام الكلاب الموجودة في المناطق الصحراوية والنائية، وهي مبادرات تنطلق في كثير من الأحيان من مشاعر إنسانية ورحمة بالحيوانات التي تعاني الجوع والعطش والمرض.

ولا يمكن إنكار أهمية هذه الجهود، خصوصًا في المناطق التي يصعب فيها وصول الطعام والماء إلى الحيوانات الضالة.

لكن في المقابل، فإن غياب التنظيم والرقابة يفتح الباب أمام استغلال مشاعر الناس، وتحويل قضية إنسانية نبيلة إلى وسيلة لجمع الأموال دون وجود ضمانات حقيقية بأن التبرعات وصلت إلى مستحقيها.

المشكلة ليست في التبرع، بل في غياب الشفافية.

فالمواطن الذي يدفع دينارًا أو خمسة أو خمسين دينارًا لإطعام حيوان جائع، من حقه أن يعرف: كم جُمع؟ وأين ذهبت الأموال؟ وكم كيلوغرامًا من الطعام تم شراؤه؟ وأين تم توزيعه؟ ومن المسؤول عن ذلك؟

المطلوب ليس منع التبرعات… بل تنظيمها

من المهم أن تتعامل الجهات الحكومية مع هذا الملف باعتباره قضية مجتمعية وإنسانية وبيئية في الوقت ذاته، وأن يتم وضع إطار واضح لجمع التبرعات الخاصة بالحيوانات.

ومن الممكن إنشاء منصة وطنية إلكترونية للتبرعات الخاصة بالحيوانات، تكون تحت إشراف جهة حكومية مختصة أو بالشراكة مع البلديات والجمعيات المرخصة.

ويتم من خلالها:

1. تسجيل الأشخاص والجمعيات والمبادرات التي ترغب في جمع التبرعات.
2. منح كل مبادرة رقمًا أو حسابًا رسميًا معتمدًا لجمع التبرعات.
3. نشر المبالغ التي تم جمعها والمبالغ التي تم إنفاقها بشكل دوري.
4. إلزام المبادرات بتقديم فواتير شراء الطعام والأدوية والمستلزمات البيطرية.
5. توثيق أماكن توزيع الطعام والمياه، خصوصًا في المناطق الصحراوية.
6. وضع آلية رقابية تمنع جمع الأموال باسم الحيوانات دون وجود نشاط حقيقي.
7. تخصيص جزء من التبرعات، عند الحاجة، للعلاج والتعقيم والتطعيم بدل الاكتفاء بإطعام الحيوانات فقط.
8. توفير قناة رسمية يستطيع المواطن من خلالها الإبلاغ عن أي مبادرة يشتبه بأنها تستغل التبرعات.

لماذا لا تكون هناك “محافظ تبرع” إلكترونية؟

يمكن أن تكون التبرعات مرتبطة بمحفظة إلكترونية أو حساب بنكي رسمي، بحيث لا تصل الأموال مباشرة إلى حسابات شخصية غير خاضعة للرقابة.

وبهذه الطريقة، يستطيع المتبرع أن يرى بصورة واضحة مسار تبرعه، من لحظة الدفع وحتى إنفاقه على الطعام أو العلاج أو المياه.

وهذا لا يحمي المواطن فقط، بل يحمي أيضًا أصحاب المبادرات الصادقة من الاتهامات والتشكيك.

والأهم… قاعدة بيانات وطنية

يمكن للحكومة بالتعاون مع البلديات والجمعيات البيطرية إنشاء قاعدة بيانات للمناطق التي توجد فيها تجمعات كبيرة للكلاب الضالة، وتحديد احتياجات كل منطقة من الطعام والمياه والعلاج والتعقيم.

وبدل أن يعمل عشرات الأشخاص بصورة منفردة، يمكن توجيه الجهود إلى الأماكن الأكثر احتياجًا، ومنع تكرار الإنفاق في منطقة واحدة وإهمال مناطق أخرى.

الرحمة تحتاج إلى شفافية

نحن لا نريد أن نقتل روح المبادرة لدى الناس، ولا أن نمنع المواطن من مساعدة حيوان جائع.

بل نريد أن نحمي هذه الروح الجميلة من الاستغلال.

فمن يجمع التبرعات بصدق يجب أن يكون أول المستفيدين من وجود نظام رسمي؛ لأنه سيمنحه المصداقية والثقة.

ومن يستغل عاطفة الناس لجمع الأموال دون أن تصل إلى الحيوانات، فيجب أن تكون هناك آلية واضحة لمحاسبته.

الرحمة بالحيوان قيمة نبيلة، والتبرع عمل إنساني، لكن المال الذي يُجمع باسم الخير يجب أن يخضع للشفافية والرقابة.

المطلوب اليوم ليس إغلاق باب التبرعات، وإنما فتحه بطريقة منظمة وآمنة، بحيث يعرف المتبرع أين ذهب ماله، ويصل الطعام والماء والعلاج إلى الحيوان الذي جُمع المال من أجله.

فالخير عندما تنظمه الدولة لا يموت… بل يكبر، ويصبح أكثر أمانًا وأثرًا وثقة.

photo 317
مقالات ذات صلة