الرئيسية / مقالات
مقالات

الجيولوجيا النفسية للمجتمعات

الجيولوجيا النفسية للمجتمعات

أحداث المملكة - 
بقلم: جهاد مساعدة

ما يظهر في المجتمعات اليوم ليس منفصلًا عما سبقه؛ فخلف السلوك الراهن طبقات من الذاكرة والقيم والصدمات والتحولات، تراكمت عبر أجيال وأسهمت في تشكيل وعيها واستجاباتها.
وما نراه اليوم ليس إلا الطبقة الأحدث في تكوين اجتماعي أعمق. ومن هنا يمكن النظر إلى الجيولوجيا النفسية للمجتمعات بوصفها إطارًا تحليليًا مقترحًا لقراءة ما تراكم في أعماق المجتمع، وما انكسر، وما تحرك، وما بقي كامنًا تحت السطح.

فالطبقات هي ذاكرة المجتمع التاريخية والثقافية، وما تراكم فيها من أحداث ورموز وسرديات وتجارب أسهمت في تشكيل وعيه. وقد تنتهي الحروب، وتتغير الظروف السياسية والاقتصادية، وتتبدل أنماط الحياة، لكن آثارها قد تبقى حاضرة في اللغة والعادات والمواقف وصور الذات والآخر. فالأجيال الجديدة لا تدخل فضاءً خاليًا من المعنى، وإنما تجد أمامها ذاكرة سبقتها، وأسهمت في تشكيل تصوراتها عن الأمن والانتماء والسلطة والمكانة والمستقبل.

أما الرَّواسب، فهي القيم والمعتقدات والخبرات التي تتركها تلك التجارب بعد انقضائها. فالأحداث تمر، لكن بعضها يُخلِّف أنماطًا راسخة من التفكير والسلوك. وقد تترك سنوات الشدة ثقافة الحذر، وتنتج الأزمات الطويلة ميلًا إلى البحث عن الأمان، فيما تُرسِّخ التجارب الوطنية الجامعة قيم التضامن والتكافل والثقة. ومع مرور الزمن، تصبح هذه الرواسب جزءًا من الثقافة الاجتماعية، يمارسها الأفراد أحيانًا من غير إدراك كامل لجذورها.

وللمجتمعات صُدوعها كذلك. فالحروب والصراعات والتهجير والانقسامات والتحولات الكبرى قد تترك شقوقًا عميقة في البناء النفسي الجمعي. وقد يبدو الصَّدع ساكنًا سنوات طويلة، ثم يعيد حدث جديد تنشيطه. ومن هنا يمكن تفسير بعض ردود الفعل التي تبدو أكبر من أسبابها المباشرة؛ لأن الحدث قد يكون حديثًا، بينما الصَّدع الذي حرّكه قديم.

ويأتي الضَّغط بوصفه قوة خفية تعيد تشكيل المجتمع من الداخل. فالأزمات الاقتصادية الممتدة، والبطالة، والحرمان، وضعف الفرص، وتسارع التغير الاجتماعي، تفرض ضغوطًا متراكمة على الأفراد والجماعات. ولا يظهر أثرها دائمًا في صورة صراع مباشر، بل قد يتجلّى في ضعف الثقة، أو الانسحاب من المشاركة، أو القلق من المستقبل، أو تغير أنماط العلاقة بين الفرد والمؤسسات. ولذلك فإن غياب الانفجار لا يعني غياب الضغط.

ومع استمرار هذه الضغوط، يحدث الانزياح؛ أي تحرك منظومة القيم والهوية والمعايير من مواقعها السابقة. فالاقتصاد يعيد تعريف النجاح، والتكنولوجيا تغير مفهوم الخصوصية، والإعلام يعيد تشكيل صورة القُدوة، والعولمة توسع دائرة المقارنة. ومن هنا لا ينبغي تفسير اختلاف الأجيال دائمًا بوصفه تراجعًا أو قطيعة، بل قد يكون، في جانب منه، استجابة لتحولات عميقة في البيئة التي تشكل وعيها.

أما البراكين الاجتماعية، فهي لحظات عودة ما ظل كامنًا في الوعي الجمعي. فقد تستيقظ صدمة قديمة، أو خصومة تاريخية، أو إحساس متراكم بالقلق أو عدم الإنصاف، عندما تتوافر الظروف التي تعيد تنشيطه. وقد تكون الشَّرارة صغيرة، لكن المادة الكامنة تحتها كبيرة. ولهذا فإن فهم الانفجار يقتضي البحث في التاريخ الذي سبقه، لا الاكتفاء بمراقبة لحظة حدوثه.

وفي الاتجاه المقابل، تعمل التَّعرية بصمت. فهي تآكل الذاكرة الثقافية وضعف بعض القيم والرموز والمعاني. وقد يبقى الرمز حاضرًا بينما يفقد مضمونه، وتبقى المناسبة بينما تتراجع دلالتها، وتبقى الرواية التاريخية، لكنها تتحول إلى نص محفوظ أكثر من كونها معنى حيًا في الوعي. والخطر هنا ليس في نسيان الماضي فقط، بل في الاحتفاظ بصورته بعد فقدان جوهره.

وفوق هذه التكوينات، تتشكل اليوم طبقات جديدة بسرعة غير مسبوقة. فالعالم الرقمي، ومنصات التواصل، والعولمة، والذكاء الاصطناعي، واقتصاد المعرفة، لم تعد مجرد أدوات اتصال، بل أصبحت بيئات تنتج القيم والاتجاهات وصور النجاح والانتماء. والشاب اليوم يقف عند نقطة التقاء الأسرة والمدرسة والمجتمع والدولة والثقافة العالمية والخوارزميات الرقمية؛ لذلك تتشكل هويته من مصادر متعددة قد تتوافق أحيانًا وتتعارض أحيانًا أخرى.

وفي هذا النموذج، لا تعمل العناصر منفصلة؛ فالطبقات تختزن الرواسب، والضغط قد يوقظ الصدوع، والصدوع قد تُحدث انزياحات في القيم والهوية، وما يبقى كامنًا قد يتحول إلى براكين اجتماعية عند أول مُحفِّز، بينما تعمل التعرية على إضعاف بعض المعاني، وتضيف الأجيال، في كل مرحلة، طبقات جديدة. وهكذا يصبح المجتمع بناءً حيًا يعيد تشكيل نفسه باستمرار، من دون أن ينفصل تمامًا عن تاريخه.

وهنا تكمن قيمة الجيولوجيا النفسية للمجتمعات؛ فهي تنقلنا من سؤال: ماذا يفعل المجتمع؟ إلى سؤال أعمق: ما الذي صنع هذا السلوك؟ ومن سؤال: لماذا تغير الشباب؟ إلى سؤال: ما الطبقات التي شكلت هذا التغير؟ ومن معالجة الظاهرة بعد ظهورها إلى البحث عن رواسبها وضغوطها وصدوعها قبل أن تتحول إلى أزمة.

فالمجتمع ليس سطحًا نراقبه، بل تاريخًا متراكمًا نحمله. وما يظهر في الحاضر ليس إلا أحدث طبقة من تكوين أعمق. ومن أراد فهم المجتمع، فعليه أن يقرأ ما يتحرك فوق السطح، وما ظل ساكنًا في الأعماق.

photo 275
مقالات ذات صلة