الرئيسية / مقالات
مقالات

لا تؤجلوا الحب… فالموت لا يمنح موعدا آخر

لا تؤجلوا الحب… فالموت لا يمنح موعدا آخر

أحداث المملكة - بقلم سمر الخربطلي 

غريب أمر الإنسان...
يعيش بجانب من يحب، ويعتاد وجوده، حتى يظن أن وجوده أمرٌ مضمون، وأن صوته سيبقى، وأن الهاتف سيظل قادرًا على أن يجمعهما، وأن هناك دائما يوما آخر للزيارة، ومكالمة أخرى، وحضنًا مؤجلًا، وكلمة لم تُقل بعد.

ثم يموت أحدهم...

وفجأة، يصبح كل شيء مختلفا.

نفتح هاتفنا ونبحث عن اسمه، ثم نتذكر أننا لن نتصل به مرة أخرى.
نمرّ من مكان كان يجلس فيه، فنلتفت تلقائيا، ثم نتذكر أنه لن يكون هناك.
نسمع صوته في تسجيل قديم، فنضغط على إعادة التشغيل وكأننا نحاول أن نسرق من الزمن دقيقة إضافية.

بعد الموت، نتذكر كل شيء.

نتذكر ضحكته، طريقته في الكلام، غضبه، مزاحه، اهتمامه بنا، وحتى الأشياء الصغيرة التي كنا نعتبرها عادية.

لكن السؤال الذي يؤلم أكثر:

لماذا لم نقل له كل هذا وهو حي؟

لماذا لم نقل: "اشتقت لك" قبل أن يصبح الاشتياق بلا لقاء؟
لماذا لم نقل: "أحبك" قبل أن يصبح قولها مستحيلًا؟
لماذا لم نحتضنه أكثر؟
لماذا كنا نؤجل الزيارة، ونؤجل الاتصال، ونؤجل الكلام، وكأن أعمار من نحبهم مضمونة؟

نحن لا نخسر أحبابنا لحظة موتهم فقط؛ أحيانا نخسر أجمل اللحظات معهم ونحن نؤجلها.

نؤجل الزيارة لأننا مشغولون.
نؤجل الاتصال لأن الوقت متأخر.
نؤجل الاعتذار لأننا ننتظر أن يبدأ الطرف الآخر.
نؤجل التعبير عن الحب لأننا نشعر بالخجل.

ثم يأتي الموت، فيسقط كل شيء مؤجل دفعة واحدة.

لا يعود الاعتذار ممكنا.
ولا العناق ممكنا.
ولا "سامحني" ممكنة.
ولا حتى "كنت أحبك أكثر مما كنت أُظهر" يمكن أن تصل إلى صاحبها.

وأقسى ما في الفقد أن قلبك يبقى ممتلئًا بكلام لن يجد طريقه إلى الشخص الذي كُتب له.

لذلك، لا تنتظروا الموت حتى تعرفوا قيمة من حولكم.

لا تجعلوا آخر مرة ترون فيها أحبابكم هي اللحظة التي تكتشفون فيها كم كانوا مهمين.

أخبروا أمكم أنكم تحبونها.
اتصلوا بأبيكم حتى لو لم يكن لديكم شيء مهم لتقولوه.
اسألوا عن أخ أو أخت أو صديق غاب عنكم.
زوروا من تحبون، حتى لو كانت الزيارة قصيرة.
احتضنوا من تستطيعون احتضانه.

ليس ضعفا أن تقول لمن تحب: "أحبك".

وليس عيبا أن تقول: "اشتقت لك".

وليس غريبا أن تشكر شخصا لأنه كان جزءًا جميلًا من حياتك.

الغريب حقا أن ننتظر جنازة شخص نحبه حتى نقف أمام قبره ونقول كل الكلام الذي كان يستحق أن يسمعه وهو حي.

لا تجعلوا قبور أحبابكم المكان الوحيد الذي تتحدثون فيه عن محبتهم.

قولوا لهم الآن.

قبل أن يصبح صوتهم ذكرى، وصورتهم وجعا، واسمهم دعاءً، ومكانهم في البيت فراغا لا يملؤه أحد.

فالموت لا يمنحنا فرصة ثانية...

ولهذا، لا تؤجلوا الحب.

قد تكون المكالمة التي تؤجلها اليوم هي آخر مكالمة كان ينتظرها منك.

وقد تكون الزيارة التي تقول "سأذهب إليها غدا" هي زيارة لن تحدث أبدًا.

وقد تكون كلمة "أحبك" التي تخجل من قولها الآن، هي أكثر كلمة سيتمنى قلبك لو أنك قلتها قبل فوات الأوان.

أحبوا أحبابكم وهم بينكم...
فبعض الغياب لا عودة بعده.

photo 208
مقالات ذات صلة