الرئيسية / فلسطين
فلسطين

إعادة هندسة الميدان في غزة: كيف يغير التجريف العسكري جغرافيا الحرب؟

إعادة هندسة الميدان في غزة: كيف يغير التجريف العسكري جغرافيا الحرب؟

تتجاوز عمليات تجريف الركام في قطاع غزة مجرد إزالة لآثار الدمار، حيث يرى خبراء عسكريون أنها استراتيجية مدروسة تهدف إلى إعادة تشكيل الميدان لخدمة الأهداف الأمنية والعسكرية لقوات الاحتلال في المنطقة.

واوضح الخبير العسكري ان المباني والطرقات والركام ليست مجرد عناصر ثابتة، بل هي عوامل حاسمة في حروب المدن تتحكم في قدرة القوات على الرصد والمناورة، وتجرد المقاومة من أي غطاء عمراني.

واضاف ان هذا التجريف يندرج ضمن عملية شاملة لهندسة البيئة الاجتماعية والامنية، مما يثبت واقعا ميدانيا جديدا يسهل حركة الآليات العسكرية ويمنع اي محاولات للالتفاف او التخفي داخل المناطق السكنية المدمرة.

نموذج محور نتساريم

وبين ان محور نتساريم يمثل النموذج الابرز لهذه الاستراتيجية، حيث تم انشاء منظومة عسكرية متكاملة مع تجريف مساحات واسعة بعمق يصل الى ثلاثة كيلومترات، مما حول المنطقة الى نطاق مكشوف تماما.

واكد ان الهدف الرئيسي من هذا المخطط هو ابعاد الابنية والركام عن محيط المواقع العسكرية، لضمان السيطرة الكاملة على خطوط الرؤية والمساحات المحيطة، مما يقلل المخاطر المباشرة على القوات في الميدان.

واشار الى ان السيطرة العسكرية لم تعد تقتصر على الموقع نفسه، بل تمتد لتشمل الطرق المؤدية اليه والمجال الحيوي المحيط، وهو ما يغير طبيعة القتال في المناطق الحضرية بشكل جذري ومستمر.

تقليص الغطاء وتسهيل الحركة

واوضح ان ازالة الركام تفتح المجال امام القوات للمراقبة والتحرك بحرية اكبر، فكلما تراجعت كثافة الانقاض، اصبحت البيئة اكثر انفتاحا، مما يحول المناطق المدنية الى ساحات قتال خاضعة للسيطرة التكنولوجية.

واضاف ان هذا النهج يسمى عسكرة البيئة، حيث يتم اخضاع كل تفاصيل الحياة المدنية من طرق وخدمات لحسابات السيطرة العسكرية، مما يجعل البنية التحتية مجرد اداة لتعزيز المواقع القتالية المتقدمة.

وشدد على ان هذه الممارسات ليست جديدة، اذ تعود الى تجارب سابقة في مخيم جباليا عام 1971، حيث تم توسيع الطرق لتسهيل حركة الآليات، لكن ما يحدث اليوم يتجاوز ذلك بحجمه.

سابقة في جباليا

وبين ان العقيدة العسكرية ظلت ثابتة في جوهرها، وهي تغيير الجغرافيا لتلائم متطلبات السيطرة، الا ان حجم الدمار الحالي يضع تحديات غير مسبوقة امام السكان وقدرتهم على العودة مستقبلا.

واكد ان عمليات التجريف تساهم في تدمير ما يسمى بالنظام البيئي المعيشي، الذي يشمل المنازل والخدمات ومصادر المياه، مما يجعل استعادة الحياة في هذه المناطق عملية معقدة جدا وباهظة التكلفة.

واشار الى ان تقديرات حجم الركام تصل الى خمسين مليون طن، مما يتطلب مبالغ طائلة لإعادة الإعمار، وهو واقع يهدد بشكل مباشر قدرة الاهالي على استعادة مقومات حياتهم في احيائهم المدمرة.

التكلفة الانسانية لتغيير الميدان

وكشف ان هناك مخاوف حقوقية كبيرة من ان يؤدي نقل الركام وتجريفه الى تعقيد عمليات البحث عن المفقودين، وطمس الادلة الميدانية التي قد تدين الانتهاكات التي طالت المدنيين والمرافق المدنية.

واضاف ان هذه الصعوبات تتضاعف في المناطق الخاضعة للسيطرة العسكرية، حيث تمنع الترتيبات الامنية طواقم الانقاذ من التحرك بحرية، مما يترك مصير الكثير من الضحايا المفقودين تحت الانقاض مجهولا لفترات طويلة.

واختتم بأن مسألة الركام تتجاوز الجانب التقني، لتصبح قضية انسانية وحقوقية تتعلق بحق العائلات في الوصول الى جثامين ابنائهم، وحماية الادلة التي توثق حجم الدمار والانتهاكات التي حدثت خلال الحرب.

مقالات ذات صلة