يواجه المستثمرون في تونس تحديات معقدة تتجاوز مجرد فكرة المشروع او توفر راس المال. حيث اصبحت الاجراءات الادارية الطويلة تمثل عائقا حقيقيا امام تطوير الاعمال وتحويل الطموحات الفردية الى واقع انتاجي ملموس ومستدام.
واكد العديد من اصحاب المشاريع ان رحلة الحصول على التراخيص تشبه المتاهة التي لا تنتهي. اذ يتطلب المسار الاداري المرور عبر مسالك معقدة ومتشابكة تتطلب موافقات متعددة في قطاعات البيئة والصحة والبيطرة والجباية.
وبين خبير اقتصادي ان المشكلة لا تكمن في غياب النصوص القانونية بل في بطء التنفيذ والبيروقراطية التي تلتهم وقت المستثمر وتؤدي الى تجميد الاموال وارتفاع تكاليف الانتاج بشكل كبير وغير متوقع في السوق.
مؤشرات واعدة تواجه واقعا صعبا
وكشفت الهيئة التونسية للاستثمار ان حجم الاستثمارات المصرح بها شهد ارتفاعا ملحوظا خلال العام الماضي. حيث بلغت مليارات الدنانير وسط توقعات بخلق الاف فرص العمل الجديدة في قطاعات صناعية وتصديرية حيوية ومتنوعة.
واضافت وكالة النهوض بالاستثمار الخارجي ان تدفقات الاستثمارات الاجنبية سجلت نموا لافتا بفضل الموقع الجغرافي الاستراتيجي لتونس وتوفر اليد العاملة المؤهلة في مجالات متعددة مثل مكونات السيارات والطيران والنسيج والصناعات الغذائية الموجهة للتصدير.
واوضح مراقبون ان هذه الارقام تعكس فقط النوايا والتدفقات الاولية. بينما يظل التساؤل الجوهري قائما حول نسبة المشاريع التي تنجح فعليا في تجاوز العقبات الادارية والوصول الى مرحلة الانتاج الفعلي دون تعثر او توقف.
البيروقراطية والتمويل عوائق هيكلية
واظهرت بيانات البنك الدولي ان النفاذ الى التمويل يظل العائق الاكبر امام المؤسسات في تونس. حيث تعاني نسبة كبيرة من الشركات من صعوبة الحصول على قروض او خطوط ائتمان بنكية لتطوير مشاريعها القائمة.
واشار خبراء الى ان البيروقراطية الادارية تختلف حدتها حسب طبيعة القطاع. لكنها تظل عاملا حاسما في تعطيل المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تفتقر الى القدرة على تحمل تكاليف الانتظار الطويل في دهاليز الادارات الحكومية.
وذكر تقرير اقتصادي ان ضعف الانخراط البنكي في العملية التنموية يفرض قيودا تعجيزية على المستثمرين المحليين. مما يؤدي الى خروج الاف المؤسسات من السوق سنويا بسبب عجزها عن مواجهة هذه الضغوط المالية والادارية المتراكمة.
آفاق الاستثمار الخليجي في تونس
وكشفت الملتقيات الاقتصادية الاخيرة عن رغبة متزايدة من المستثمرين الخليجيين في دخول السوق التونسية. حيث يرى رجال الاعمال ان البيئة التونسية توفر فرصا استثمارية واعدة في ظل الاستقرار النسبي الذي تتمتع به البلاد حاليا.
واكد مستثمرون ان جذب رؤوس الاموال لا يتوقف عند اللقاءات الترويجية. بل يتطلب توفير منظومة قانونية وقضائية شفافة تحمي الحقوق وتضمن سرعة الفصل في النزاعات لتعزيز ثقة المستثمر الاجنبي في مناخ الاعمال التونسي.
وبينت خبيرة في التحكيم الدولي ان تحديث ظروف التقاضي يعد ركيزة اساسية لجذب الاستثمار. حيث يبحث المستثمر دائما عن بيئة قانونية يمكن توقع نتائجها والتعامل معها بوضوح بعيدا عن التعقيدات التي قد تعرقل سير المشاريع.
مستقبل النمو في ظل التحديات
واظهرت المؤشرات الاقتصادية الاخيرة تحسنا طفيفا في نسب النمو. مع ضرورة العمل على تجاوز عقبات التضخم والبطالة من خلال تفعيل الاصلاحات الهيكلية التي تهدف الى تحسين مناخ الاستثمار وتبسيط كافة الاجراءات الادارية بشكل جذري.
واضاف محللون ان الانتقال من مرحلة التصريح بالاستثمار الى مرحلة الانجاز الفعلي يتطلب ارادة سياسية قوية لرقمنة الادارة وتقليص التراخيص المسبقة التي تعطل المبادرات الفردية وتحد من قدرة الاقتصاد الوطني على المنافسة في المحيط.
وختم خبراء الاقتصاد بان تونس تمتلك كل مقومات النجاح. ولكن يبقى التحدي الحقيقي في قدرة الدولة على تنفيذ رؤية شاملة تجمع بين تحفيز الاستثمار وتذليل العقبات امام المؤسسات لضمان تحقيق نمو اقتصادي مستدام وشامل.
