الرئيسية / ثقافة و فنون
ثقافة و فنون

«في انتظار الخلاص؛ فرج الله» للبشتاوي: فرجةٌ بصريةٌ وأسئلةٌ عميقة

«في انتظار الخلاص؛ فرج الله» للبشتاوي: فرجةٌ بصريةٌ وأسئلةٌ عميقة

د. مخلد بركات

ضمن فعاليات مهرجان الأردن المسرحي( 31) وفي المركز الثقافي الملكي عُرضت ليلة أمس مسرحية (في انتظار الخلاص)، للمخرج والكاتب أ.د يحيى البشتاوي أستاذ الفنون المسرحية/ كلية الفنون/ الجامعة الأردنية. واشتركت في التأليف معه الكاتبة والممثلة المتميزة رشا المليفي. وتعالج المسرحية في بناها المعرفية والمشهدية المجازر والإبادة في قطاع غزة، كثيمة رئيسة.

وعند التفحص والتأمل في تجربة د. يحيى البشتاوي المسرحية والتأليفية نجده مهتمًا بالقضية الفلسطينية بكل تفريعاتها وأسئلتها؛ يظهر ذلك في مسرحيته (أعراس آمنة) المأخوذة عن رواية إبراهيم نصر الله  بالاسم ذاته، والإفادة من سيرة وشخصية سعيد أبي النحس المتشائل لإيميل حبيبي، وهو هنا يفتش في المتون الروائية التي تحمل ثيمة أحلام الفلسطينيين ووجعهم لمسرحتها على الخشبة (الركح)؛ وفي عمله (في انتظار الخلاص) يراكم هذه التجربة ضمن مشروعه الذي يحفر عميقًا في السياق النضالي بالكلمة والمشهد المسرحي، ومن الجدير بالذكر أنَّ البشتاوي نجده في هذا العمل يكرس بعض الأفكار الواردة في مسرحياته السابقة؛ فمثلاً، أجد هنا أنَّ شخصية عائدة (في انتظار الخلاص) تتقاطع مع شخصية آمنة( أعراس آمنة) أم الشهيد التي لم تؤمن برحيله وأنّه حي يعيش، لذا بدأت تبحث له عن عروس كي تزوجه، طردًا لفكرة الفناء وتمسكًا بالأمل والحلم، وهو ما عكسته أيضًا عائدة.. كما يكرّر سعيد المتشائل ومكابداته، في شخصية أقرب إلى الفصامية، القلقة المضطربة الفاقدة للتوازن، في دور ابن عائدة، برجله الاصطناعية التي اشتراها خردةً أممية، وفي رمزية أيضًا للمشوار الطويل والكفاح المكابد منذ ال 48 للشعب الفلسطيني على درب الخلاص...والمسرحية في جوها العام ( متشائلة) أي تجمع بين اليأس والأمل.

 ومن الإحالات في المسرحية الإحالة إلى مسرحية (في انتظار جودو) لصموئيل بيكت، جودو الذي لا يأتي، انتظار عبثي بلا طائل، وجاء هذا التأثر كإطار عام للعمل ليوازي ويتقاطع جودو مع فرج الله، الذي ينتظره الفلسطينيون، في عبثية أيضًا وفي حلمية كالبروق الخلَّب، كما نجد إحالة رمزية لرواية (رجال في الشمس) لغسّان كنفاني وجاءت التقاطعات مع هذه الرواية في استثمار شخصية أبي الخيزران الذي حمل مجموعة من المهاجرين الفلسطينيين لإيصالهم إلى دولة الكويت وعلى الحدود وحين تركهم في الخزان الناقل كي يختم جوازه، عاد إليهم ليجدهم مومياءات محترقة في مشهد مخيف يدلل على معاناة الفلسطيني المهاجر، ( من موت إلى موت) ويصرخ صرخته وسؤاله الكبير: لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟. ويظهر خزان كنفاني في عمل البشتاوي عملاقًا يغلّف قطاع غزة، شعب مقهور داخل أتون خزان من الموت،  كما يكرر هذا السؤال الجارح: لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟ ضمن حضور رئيس لشخصية أبي الخيزران السمسار داخل العرض الذي يعمل على تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة إلى الهاوية مقابل حفنة دولارات، في استثمار سيكولوجي خيزراني خبيث ضمن دلالات المقولة الفلسفية( حينما تحدق في الهواية تصبح أنت الهاوية)، تهجير يقوم به بالتوازي مع قلعهم من ترابهم ومن هُويتهم وموروثهم، ومن فكرة الصمود الخالدة، ولكن البشتاوي يعريه في المسرحية، فيقف آخر العرض نادمًا ممزق الملابس حسيرًا كأن لم يغن في الأمس، في دلالة على قلع وتعشيب هؤلاء السماسرة من ذاكرتنا ووجداننا، ليكونوا سماسرة في الشمس.

 

ولعلَّ أبرز ما يميز هذا العرض شكلانياً ومعرفيًّا التنوع الأسلوبي في استثمار تقنيات العرض المسرحي من ديكور وسينوغرافيا وإضاءة وموسيقى، ليتحول إلى فرجة بصرية مؤثرة ومدهشة، وكذلك العديد من الإسقاطات والإيحاءات التي أضاءت النص أولا ثم العرض ثانيًا، وفي أداء فريق الممثلين معًا في انسجام محمود، وتأثير يدلل بلا ريب على مكنتهم ومهاراتهم التمثيلية المسرحية.. 

كما اتكأ على مقاطع شعرية ومنها لمحمود درويش وعلى أمثلة ومقولات شعبية، وعلى استخدام اللغة العربية الفصيحة، في جانب حفظ الهُوية الفلسطينية وتأكيد عروبتها، وعلى اللغة العربية كحاضنة مجتمعية للمقاومة؛ وهو ما أشرت إليه أنَّه جزء من مشروع البشتاوي عمومًا، في هذا السياق النضالي للمسرح، ماضويًّا وحاضرًا.

 العرض متعدد الرؤى والأساليب فنجده- إدراكيًا- يمثل من زاوية ما مسرحًا شبه ملحمي برختي، وفي جانب يمثل الواقعية المأساوية ومن جانب آخر الرمزية، أو الواقعية الرمزية، وفي جانب رابع الفرجة والطقسية، هذا المزج خلق كيمياء ميزت هذا العرض وخلقت له هويته الخاصة بصريًّا وأدائيًّا، كما أنَّ الموسيقى لعبت دورًا هائلاً في تكاملها مع العرض عمومًا، وكان لها تاثير وجداني في الحضور؛ لأنها قاربت من الوجع، ليلسع أرواحنا، إلى حد الصمت العميق، إلى حد أن همت دموع!!.

 

مقالات ذات صلة