اجبرت ظروف الحرب الصعبة والحصار المطبق سكان قطاع غزة على استحضار تقنيات البناء القديمة واستخدام الطين كبديل اساسي لمواجهة تداعيات النزوح الطويل. اذ تحولت هذه الحرفة التقليدية من مجرد تراث الى ضرورة حياتية.
واضاف جعفر عطالله الذي فقد مصنعه التاريخي ان العمل بالطين بات يمثل طوق نجاة للعائلات النازحة. مبينا ان الناس اصبحوا يطلبون كل ما يحتاجه البيت من اوان فخارية وصولا الى بناء غرف سكنية.
واكد ان الفكرة تطورت بعد ان وجد النازحون انفسهم بلا ماوى يحفظ خصوصيتهم. موضحا ان الغرفة الطينية توفر حماية من تقلبات الجو والقوارض التي تهاجم الخيام البسيطة المنتشرة في وسط القطاع منذ اعوام طويلة.
الطين مهنة ورثتها الاجيال
وكشف عطالله انه تعلم اصول الفخار منذ طفولته في ورشة عائلته العريقة. مشيرا الى ان فقدان كل شيء في الحرب دفعه للعودة الى الطين كخيار وحيد لتوفير بدائل صحية وسكنية تناسب القدرة المالية المحدودة.
وبين ان عملية البناء تبدا بتنقية التربة وعجنها مع التبن لضمان التماسك. واصفا كيف يضع القوالب تحت اشعة الشمس لتجف. ثم يبدا برصها بعناية فوق بعضها البعض لتشكيل جدران صلبة ومستقرة للغرف.
واوضح ان استخدام اطارات السيارات القديمة في فتحات النوافذ يمنح البناء ثباتا هندسيا بسيطا. مؤكدا ان هذه الغرف بمساحة ستة عشر مترا مربعا اصبحت ملاذا يمنح الاسر شعورا بالاستقرار المفقود داخل الخيام المهترئة.
تحديات الانتاج في ظل الحصار
واشار الى ان نقص الوقود والكهرباء يمثل عائقا كبيرا امام سرعة الانتاج. مبينا ان الورشة لا تعمل الا لساعات قليلة يوميا. وهو ما يجعل تلبية الطلبات المتزايدة امرا صعبا للغاية في ظل الظروف الراهنة.
واكد ان ارتفاع تكاليف نقل الطين تسبب في زيادة اسعار المنتجات الفخارية بشكل ملحوظ. موضحا ان السكان رغم ذلك يقبلون عليها لانها تمثل الحل الوحيد المتاح لتوفير مستلزمات الحياة اليومية الضرورية للعيش.
واضاف ان طموحه يتجاوز بناء الغرف ليصل الى تصميم منازل طينية متكاملة. مبينا ان هدفه هو تحويل المهارة القديمة الى منظومة عيش كاملة تمنح النازحين كرامة السكن وخصوصية البيت بعيدا عن قسوة الشوادر.
طموح لاعادة بناء الحياة
وكشفت التجربة ان الغرفة الطينية اصبحت مطلبا متزايدا بين النازحين. موضحة ان الحاجة الى جدار صلب لا يتاثر بالرياح اصبحت تتقدم على الكثير من الاحتياجات الاخرى التي عجز الناس عن توفيرها بسبب الحصار.
واظهرت المتابعة الميدانية ان جعفر يخطط لتوسيع مشروعه ليشمل مطابخ ومرافق صحية طينية. مؤكدا ان كل قطعة فخار يخرجها من تحت يديه تحمل في طياتها تحديا جديدا للواقع المرير الذي يعيشه اهل غزة.
وشدد في ختام حديثه على ان الطين ليس مجرد تراب. بل هو وسيلة للبقاء واثبات الوجود. مبينا ان الغرفة الطينية تظل رمزا للصمود ومحاولة جادة لاستعادة جزء من الحياة الطبيعية وسط انقاض الحرب.
