د. أيهم العتوم
باحث في الإعلام والاتصال
كانت حركة تدقيق الحقائق، عند اتساع نطاقها في منتصف العقد الماضي، تحظى بمكانة متقدمة بوصفها إحدى الأدوات المطروحة لمواجهة الفوضى المعلوماتية، مدعومة تمويليًا من كبرى المنصات، وفي مقدمتها Meta.
غير أن هذا الموقع تبدّل خلال سنوات قليلة، إذ باتت المؤسسة التي كانت تُقدَّم بوصفها ضمانة للدقة، توصف من قبل تيارات شعبوية وليبرالية-تحررية بأنها أداة رقابة على حرية التعبير.
هذا التحول يرصده عدد خاص من مجلة "Harvard Kennedy School Misinformation Review" صدر في يوليو 2026، بعنوان "مستقبل تدقيق الحقائق في المجتمع الخوارزمي"، ويحمل دلالات تتجاوز السياق الغربي الذي صدر منه، لتلامس سؤالًا أوسع أطرحه ضمن مفهوم "إدارة المعتقد الإعلامي": من يملك اليوم سلطة تقرير ما هو حقيقي؟
ثلاث أزمات تعيد تشكيل مستقبل تدقيق الحقائق
يحدد التقرير ثلاث أزمات يواجهها تدقيق الحقائق كمهنة، ويقدمها باعتبارها مترابطة ومتمايزة، دون أن يمنح إحداها أولوية صريحة على الأخريين.
الأولى، أزمة تقنية، تتمثل في توسع الذكاء الاصطناعي التوليدي بوصفه منافسًا، وأحيانًا بديلًا، للتحقق البشري من صحة الادعاءات.
والثانية، أزمة تمويل، يعزوها التقرير تحديدًا إلى التخفيضات الكبيرة في تمويل مؤسسات التحقق منذ مطلع عام 2025 مع تولي الإدارة الأميركية الثانية، إلى جانب إغراء الكفاءة التشغيلية التي توفرها أدوات الذكاء الاصطناعي.
أما الثالثة، فهي أزمة شرعية، تتمثل في تعدد الشبكات المعيارية المتنافسة على تعريف "المعايير الصحيحة" للتحقق، مثل شبكة IFCN، إلى جانب شبكات بديلة وإقليمية مثل GFCN وEFCSN، وسط خطاب شعبوي يعيد تصوير المدققين كرقباء لا كحماة للحقيقة.
وفي هذا السياق، فإن اختيار Meta تقليص شراكاتها مع مؤسسات التحقق لصالح نظام "ملاحظات المجتمع" يمثل، بحسب التقرير، أحد التعبيرات المباشرة عن أزمة الشرعية تحديدًا، لا عن الأزمات الثلاث مجتمعة.
من يملك حق الحكم على الحقيقة؟
هذا ما يدفعني، خارج نص التقرير وكإضافة تفسيرية، إلى قراءة المشهد من زاوية "إدارة المعتقد الإعلامي". فما يصفه التقرير، في جوهره، لا يتعلق فقط بتراجع موارد التحقق أو تغير أدواته، بل بتحول تدريجي في موقع سلطة الحكم على الادعاء: من مؤسسة تحقق ذات معايير مهنية معلنة، إلى نماذج تعتمد بدرجة أكبر على مساهمات المستخدمين والأنظمة التي تديرها المنصات.
وتدقيق الحقائق، في هذا الإطار، لا يُختزل في عملية تصحيحية تأتي بعد وقوع الخطأ، بل يصبح مساحة تفاوض مستمرة حول من يملك حق صياغة ما يُعتقد أنه صحيح.
من «هل هذا صحيح؟» إلى «كيف يمكن أن يكون هذا صحيحًا؟»
من بين مساهمات العدد ما يستحق التوقف عنده مهنيًا: تجربة ميدانية أشار إليها فريق من منظمة Maldita.es الإسبانية، حين واجه نظريات مؤامرة متجذرة عقب فيضانات فالنسيا عام 2024، من بينها روايات عن وفيات مخفية في أحد مرائب السيارات.
بدل الاكتفاء بالتصحيح المباشر، طورت المنظمة أسلوب "فحص الحجة"، الذي يحول السؤال من "هل هذا صحيح؟" إلى "كيف يمكن أن يكون هذا صحيحًا؟"، أي دفع الجمهور إلى مساءلة الفرضيات التي تقوم عليها الرواية المضللة، بدل الاكتفاء بنفيها.
هذا التحول المنهجي، كما يعرضه التقرير، يتقاطع مع ما أسميه "المناعة المعرفية"، وهي، في تقديري، أحد التطبيقات العملية للدراية الإعلامية والمعلوماتية في البيئة الخوارزمية. فالتصحيح الذي يكتفي بإعلان الخطأ لا يبني بالضرورة مقاومة داخلية لدى المتلقي، بينما قد تنتج مساءلة منطق الادعاء نفسه قدرة تحليلية تتجاوز الادعاء المحدد موضع النقاش.
حين تأتي أدوات التحقق من خارج السياق
من أبرز ما يورده التقرير صراحة، وهو ما يخص القارئ العربي تحديدًا، أن من أبرز التحديات التي يوردها التقرير وجود تحيزات إقليمية في البيانات، مع اعتماد كثير من النماذج على بيانات مصدرها أسواق كبرى في أوروبا وأميركا الشمالية، في حين تتجه أسواق الجنوب العالمي إلى تبني التحقق بالذكاء الاصطناعي بوتيرة أسرع بسبب محدودية الموارد اللازمة لتوظيف مدققين بشريين على نطاق واسع.
هذه ملاحظة يوردها التقرير صراحة، وتستدعي، في تقديري، بناء قدرة نقدية إقليمية على مساءلة الأدوات المستوردة قبل تعميمها، لا سيما حين يتعلق الأمر بأدوات تتعامل مع اللغة والسياق والثقافة بوصفها جزءًا من عملية التحقق.
وبهذا المعنى، لا يقدم التقرير حكمًا حاسمًا لصالح طرف على حساب آخر، المؤسسة أم المنصة، الإنسان أم الخوارزمية، بل يوثق مرحلة انتقالية مفتوحة النتائج، تتغير فيها أدوات التحقق وحدود المسؤولية ومعايير الشرعية في آن واحد.
وهنا تكمن أهمية السؤال الذي يتجاوز مستقبل مهنة تدقيق الحقائق نفسها: عندما تصبح الخوارزميات جزءًا من عملية تحديد ما يصل إلى الجمهور بوصفه صحيحًا، لا يعود التحدي في امتلاك أدوات تحقق أكثر سرعة فحسب، بل في معرفة من يضع قواعدها، وما السياقات التي تفهمها، ومن يملك حق مساءلتها.
أما من زاوية "إدارة المعتقد الإعلامي"، فإن هذه المرحلة لا تعني أن الحقيقة انتقلت من الإنسان إلى الخوارزمية، بقدر ما تعني أن سلطة تشكيل ما يراه الجمهور حقيقة أصبحت موزعة بين المؤسسة والمنصة والمستخدم والآلة. ومن هنا، تصبح الدراية الإعلامية والمعلوماتية جزءًا من الاستجابة لهذا التحول، لا مجرد أدوات للتعامل مع خبر مضلل بعينه.
مصدر الإحالة:
Stremlau, N., Mota, J., & Gonzalez, N. (2026). The future of fact-checking in the algorithmic society. Harvard Kennedy School (HKS) Misinformation Review.
