هل يراودك شعور مستمر بالحنين نحو الماضي والزمن الجميل؟ هذه الظاهرة النفسية لا تقتصر على فئة عمرية معينة بل هي سمة بشرية مشتركة تدفعنا للاعتقاد بان الايام الخوالي كانت افضل حالا من وقتنا الحاضر.
واوضحت الدراسات النفسية ان هذه النزعة ليست وليدة العصر الحالي بل ارتبطت بالبشر منذ القدم حيث اشار مفكرون قديما الى مفهوم سرديات الانحدار الذي يصور العالم وكانه يتجه نحو الاسوا بشكل مستمر ومضطرد.
وبين خبراء السلوك ان المجتمعات تميل بشكل فطري الى اسطرة الماضي واعتباره عصرا ذهبيا مثاليا بينما يتم النظر للحاضر كونه مرحلة تراجع تدريجي عن تلك الحقبة المفقودة التي تفتقدها الذاكرة بشكل مستمر.
الدماغ لا يتذكر الماضي كما كان
وكشفت الابحاث ان ظاهرة الاسترجاع الوردي تفسر هذا التحيز المعرفي الذي يجعلنا نستحضر الاحداث الماضية بصورة وردية وايجابية تفوق الواقع الذي عشناه فعليا في تلك الفترات التي باتت مجرد ذكريات بعيدة المدى.
واضاف الباحثون ان الدماغ لا يقوم بتخزين الذكريات كافلام وثائقية دقيقة بل يعمل على اعادة بنائها في كل مرة نستحضرها فيها محتفظا باللحظات السعيدة ومحاولا طمس او تخفيف حدة التجارب المؤلمة والصعبة.
واكدت دراسات علم النفس ان الانشطة والرحلات تبدو في ذاكرتنا بعد مرور الوقت اكثر متعة مما كانت عليه اثناء حدوثها وهو ما يثبت ان الذاكرة البشرية تميل للتحسن والتجميل مع مرور الايام.
لماذا ننسى السلبيات؟
واظهرت تجارب علمية ان المشكلة تكمن في طريقة عمل الذاكرة التي تنتقي افضل النماذج من الماضي وتعممها على المرحلة باكملها بينما يواجه الحاضر بجميع تعقيداته وتحدياته اليومية التي نعيشها لحظة بلحظة.
وبين العلماء ان الذاكرة تشبه مكتبة تضم فقط الاعمال المتميزة من الماضي في حين ان رف الحاضر لا يزال يحتوي على كل شيء من نجاحات واخفاقات مما يجعل المقارنة غير عادلة وغير موضوعية.
واشار المختصون الى ان الحنين يزداد حدة في اوقات الازمات حيث يلجأ العقل للبحث عن الامان في ذكريات الماضي كآلية دفاعية جماعية تساعد الافراد على التكيف مع ضغوط الواقع الحالي المتسارع.
الحنين ليس سيئا دائما
واوضح علماء النفس ان الحنين ليس اضطرابا نفسيا بل هو شعور طبيعي بالشوق لاماكن او فترات مرتبطة عاطفيا بالانسان مما يساهم في تعزيز الشعور بالهوية الشخصية وزيادة التفاؤل والقدرة على الانتماء.
واضاف الباحثون ان هناك فرقا جوهريا بين الحنين الايجابي والانحدارية التشاؤمية التي تؤدي لمقاومة التغيير والابتكار حيث يمنح الحنين الفرد دفعة معنوية بينما يغرق المتشائم في اعتقاد بان العالم يتدهور نحو الهاوية.
واكد الخبراء ان استحضار الذكريات الجميلة يعمل كجسور عاطفية تربطنا بهويتنا وتساعدنا على مواجهة المستقبل بثقة اكبر بعيدا عن حالة القلق الدائم التي قد تفرضها ظروف الحياة الحديثة المليئة بالتحديات والمسؤوليات الكبيرة.
لماذا يستخدم السياسيون الماضي؟
وكشفت التحليلات السياسية ان استحضار الزمن الجميل يستخدم كاداة لتعزيز الهوية المشتركة واقناع الجماهير بان الحل يكمن في العودة لمرحلة ماضية يتم تجميلها اعلاميا لتجاهل مشكلات ذلك العصر الحقيقية والجوهرية.
واضاف المراقبون ان الخطاب السياسي يعتمد غالبا على دغدغة مشاعر الحنين لتحقيق مكاسب معينة رغم ان الصورة المستحضرة للماضي تظل ناقصة وتفتقر للواقعية التي يتطلبها فهم التحديات الحالية التي تواجهها المجتمعات اليوم.
هل كان الماضي اجمل فعلا؟
وبينت النتائج ان البعض قد يرى الماضي افضل لظروف شخصية خاصة مثل فقدان احباء او تدهور اقتصادي ولكن النظرة العامة تظل محكومة بطريقة معالجة الدماغ للذكريات التي تعيد تشكيل الحقائق بعد سنوات.
واكدت الادلة اننا لا نتذكر الماضي كما كان في الواقع بل كما اعادت الذاكرة صياغته لتتناسب مع احتياجاتنا النفسية الحالية مما يجعل الماضي مجرد صورة ذهنية مطورة بعيدة عن حقيقة ما حدث.
