أحداث المملكة - د.معتز جريسات
لا تأتي زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الصين في وقت عادي. فالمنطقة تشهد تطورات متسارعة، وتنعكس هذه التطورات على السياسة والاقتصاد والتجارة وحركة الاستثمار. وفي خضم ذلك، يواصل الأردن تحركه نحو بناء علاقات أوسع وفتح أسواق جديدة أمام اقتصاده وقطاعه الخاص.
وتحمل الزيارة، وهي التاسعة لجلالة الملك إلى الصين، أهمية خاصة في هذه المرحلة. فهي تأتي في وقت يسعى فيه الأردن إلى تنويع شراكاته الاقتصادية، وتعزيز حضوره في الأسواق الخارجية، وجذب استثمارات جديدة، والاستفادة من الخبرات والتكنولوجيا المتاحة لدى شركائه.
وتعد الصين شريكًا مهمًا للأردن في هذا المسار. فهي خامس أكبر شريك تجاري للمملكة، وتجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين 6 مليارات دولار عام 2025، فيما تزيد الاستثمارات الصينية في الأردن على 1.27 مليار دينار، وتشمل قطاعات التعدين والطاقة والصناعة.
لكن حجم التجارة والاستثمار القائم يطرح سؤالًا آخر: كيف يمكن أن تستفيد المملكة بصورة أكبر من هذه العلاقة؟
الإجابة يمكن أن تبدأ من طبيعة الشراكات التي يجري بحثها خلال الزيارة. فالمباحثات لا تركز على التجارة وحدها، وإنما تشمل الصناعة والاستثمار والمشاريع المشتركة ونقل المعرفة والتكنولوجيا. وهذه مجالات يمكن أن تترك أثرًا مباشرًا في الاقتصاد الأردني إذا تحولت إلى مشاريع على أرض الواقع.
ويكتسب لقاء جلالة الملك مع ممثلي الشركات الصينية الكبرى في شنغهاي وشينزن وبكين أهمية خاصة، لأن القطاع الخاص هو الطرف القادر على تحويل الفرص إلى استثمارات ومشاريع. والهدف في النهاية ليس زيادة حجم المستوردات أو الصادرات فقط، وإنما جذب شركات واستثمارات يمكن أن تنتج في الأردن، وتوفر فرص عمل، وتفتح أمام المنتجات الأردنية أسواقًا جديدة.
ويمتلك الأردن ما يساعده على ذلك؛ فموقعه الجغرافي يتيح الوصول إلى أسواق المنطقة، ولديه قوى عاملة مؤهلة، وبيئة أعمال مستقرة، إضافة إلى شبكة واسعة من اتفاقيات التجارة الحرة. وهذه عوامل يمكن أن تشجع الشركات الصينية على النظر إلى الأردن باعتباره قاعدة للإنتاج والتوسع في المنطقة، وليس مجرد سوق للسلع الصينية.
وتزداد أهمية هذا التوجه مع ما تشهده المنطقة من اضطرابات وتغيرات متلاحقة. فالظروف السياسية تؤثر في حركة التجارة والاستثمار والطاقة والنقل وسلاسل التوريد. ولهذا فإن البحث عن شركاء وأسواق جديدة لم يعد خيارًا اقتصاديًا فقط، بل أصبح حاجة تفرضها طبيعة المرحلة.
ومن هنا تأتي أهمية التحرك الأردني نحو الصين. فالعلاقات السياسية الجيدة بين البلدين توفر أساسًا يمكن البناء عليه اقتصاديًا، لكن المرحلة المقبلة تحتاج إلى نتائج عملية: استثمارات، ومشاريع مشتركة، وتعاون صناعي، ونقل خبرات، وفرص أكبر أمام القطاع الخاص الأردني.
وهذا ينطبق أيضًا على مجالات أخرى مثل التعليم والسياحة والثقافة والإعلام. فقد استقطب الأردن أكثر من 19 ألف سائح صيني عام 2025، فيما يدرس نحو 380 طالبًا أردنيًا في الصين. ويمكن لهذه العلاقات أن تتوسع بالتوازي مع التعاون الاقتصادي، خصوصًا مع العمل على تعزيز الربط الجوي المباشر بين البلدين.
كما أن توقيت الزيارة يحمل دلالة أخرى، إذ تأتي قبل الذكرى الخمسين لإقامة العلاقات الدبلوماسية الأردنية الصينية عام 1977. وبعد خمسة عقود من العلاقات، تبدو الفرصة مناسبة للانتقال إلى مرحلة جديدة، يكون فيها الاقتصاد والاستثمار والتكنولوجيا في مقدمة مجالات التعاون.
وتشمل القطاعات المطروحة للتعاون التصنيع وسلاسل التوريد والتكنولوجيا الزراعية والصناعات الغذائية والأسمدة والكيماويات والتعدين والطيران، وهي قطاعات يمكن أن تمنح العلاقة الاقتصادية بعدًا أكثر استدامة إذا ارتبطت بمشاريع فعلية.
وفي النهاية، لا تقاس الزيارات الرسمية بعدد الاجتماعات التي تعقد خلالها، ولا الاتفاقيات التي توقع فيها، وإنما بما ينتج عنها بعد العودة. فالاتفاقية تصبح ذات قيمة عندما تتحول إلى مشروع، والاستثمار عندما يضيف إلى الاقتصاد، والتعاون عندما يترك معرفة وخبرة وقدرة جديدة.
ولهذا تأتي زيارة جلالة الملك إلى الصين في توقيت مهم. ففي الوقت الذي تشهد فيه المنطقة تغيرات كبيرة، يعمل الأردن على توسيع علاقاته الاقتصادية وعدم حصر خياراته في اتجاه واحد. والصين، بثقلها الاقتصادي والصناعي والتكنولوجي، تمثل شريكًا مهمًا في هذا التوجه.
والرهان الحقيقي الآن هو أن تتحول هذه العلاقة، التي قطعت شوطًا طويلًا خلال العقود الماضية، من علاقة تجارية مهمة إلى شراكة اقتصادية أعمق؛ شراكة تزيد الاستثمار، وتدعم الصناعة الأردنية، وتنقل التكنولوجيا والخبرة، وتفتح أسواقًا جديدة أمام الاقتصاد الوطني
