الرئيسية / مقالات
مقالات

الدخان يسرق أعماراً لم تبدأ بعد

الدخان يسرق أعماراً لم تبدأ بعد

أحداث المملكة - بقلم سمر الخربطلي 

أطفال في الشوارع، وآخرون عند جدران المدارس، يحملون السجائر ويدخنونها. مشهد استوقفني طويلاً؛ لا لأنه جديد، بل لأنه بات مألوفاً أكثر مما ينبغي.

كيف وصلت السيجارة إلى يد طفل في سنواته الأولى؟ وأين الأهل والمدرسة والمجتمع؟ ومن يحاسب من يبيع منتجاً ضاراً لطفل مقابل بضعة دنانير؟

المسؤولية هنا لا تقع على الطفل وحده. فهناك بائع يتجاهل واجبه، ورقابة تتساهل، وأسرة قد تكتشف الأمر متأخرة، أو تعلم به وتتعامل معه وكأنه أقل خطراً ما دام يحدث أمامها.

والأغرب أن بعض الأطفال أصبحوا يبيعون السجائر بأنفسهم، حتى باتت السيجارة الواحدة تُباع منفردة مقابل مبالغ بسيطة. طفل يبيع لطفل، في عمر يفترض أن تكون فيه أحاديثهم عن اللعب والأحلام لا عن أسعار السجائر وطرق الحصول عليها.

المدرسة.. دور يتجاوز المنع

منع التدخين داخل المدرسة ضرورة، لكنه لا يكفي. نحتاج إلى برامج إرشاد نفسي وتربوي مستمرة، وإلى مختصين قادرين على الاقتراب من الطلبة وفهم أسباب انجرافهم نحو هذه العادة.

فالردع مهم، لكن الوقاية تبدأ قبل العقوبة. والطفل الذي يدخن يحتاج إلى توعية حقيقية، وإلى من يساعده على فهم خطورة ما يفعل، لا إلى محاضرة عابرة تنتهي بانتهاء الحصة.

الأسرة.. المتابعة لا تعني التضييق

المصروف الزائد دون متابعة، والدلال المفرط، وانشغال الأهل، وغياب الحوار، كلها عوامل قد تترك الطفل أكثر عرضة لتأثير الشارع وضغط الأصدقاء.

والمتابعة ليست تجسساً، بل مسؤولية. أن يعرف الأهل أصدقاء أبنائهم، وأماكن وجودهم، وكيف ينفقون أموالهم، هو جزء من الحماية في مرحلة تحتاج إلى التوجيه.

أما القول: «ليدخن أمامنا أفضل من أن يدخن خلفنا»، فهو منطق لا يعالج المشكلة، بل يتعايش معها. وكذلك تبرير استخدام «الفيب» بأنه أخف من السيجارة.

القضية ليست في المقارنة بين نوع وآخر.

القضية هي: لماذا نسمح لطفل بأن يدخل عالم التدخين أصلاً؟

من سرق أحلام الطفولة؟

حين نرى طفلاً عند سور مدرسة، يخفي سيجارة في جيبه، علينا ألا نكتفي بإدانته.

علينا أن نسأل: من باعه؟ ومن سمح بوصولها إليه؟ ومن غاب عنه؟ ومن لم يتدخل في الوقت المناسب؟

المسؤولية مشتركة بين أسرة تتابع، ومدرسة توعي، ورقابة تمنع بيع منتجات التدخين للأطفال، ومجتمع يرفض تحويل هذا المشهد إلى أمر عادي.

الطفل لا يحتاج إلى دخان يملأ سنواته الأولى، بل إلى مساحة آمنة تكبر فيها أحلامه.

فحين يصبح حمل السيجارة جزءاً من طفولة بعضهم، يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً:

من يحمي الطفولة قبل أن يسرقها الدخان؟

مقالات ذات صلة