الرئيسية / محليات
محليات

"أحداث المملكة " تكشف أطفال يقلّدون شخصيات كرتونية.. و"ماشا" بين براءة الترفيه وجدلية التأثير

"أحداث المملكة " تكشف أطفال يقلّدون شخصيات كرتونية.. و"ماشا" بين براءة الترفيه وجدلية التأثير

حين تتحول الشاشة من وسيلة ترفيه إلى مربٍّ خفي 

 

"أحداث المملكة " تكشف أطفال يقلّدون شخصيات كرتونية.. و"ماشا" بين براءة الترفيه وجدلية التأثير

 

مختصون يحذرون من الإفراط في النظر إلىالشاشة

 

الأمهات يروين الحكاية: "ما نراه على الشاشة نراه في أطفالنا"

 

أحداث المملكة _ فايز الشاقلدي

في عالم تتسع فيه مساحة الشاشات داخل حياة الأطفال، لم تعد أفلام ومسلسلات الكرتون مجرد وسيلة للترفيه وتمضية الوقت، بل أصبحت جزءاً من البيئة التي يتعلم فيها الطفل كيف يتصرف، ويتحدث، ويتفاعل مع الآخرين.  

  وبينما تحمل بعض الأعمال رسائل تعليمية وقيمية إيجابية، تثير شخصيات كرتونية أخرى تساؤلات متزايدة لدى الآباء والأمهات حول ما إذا كانت بعض السلوكيات التي تعرضها الشاشة يمكن أن تجد طريقها إلى الواقع .

وتبرز شخصية «ماشا» في مسلسل «ماشا والدب» باعتبارها واحدة من الشخصيات التي تحظى بشعبية واسعة بين الأطفال، لكنها في الوقت نفسه أصبحت موضع ملاحظات وانتقادات من بعض الأسر، التي ترى أن ما تقدمه الشخصية من سلوكيات متكررة، بينها الحركة المفرطة، والعبث، والعناد، ومخالفة توجيهات الكبار، قد يدفع الأطفال إلى تقليدها، ولا سيما في سنوات الطفولة المبكرة . 

وبين إعجاب الأطفال بشخصية مرحة ومشاغبة، وقلق الآباء من انتقال بعض سلوكياتها إلى الحياة اليومية، يطرح المشهد سؤالا أكبر،أين تنتهي براءة الترفيه وتبدأ مسؤولية

المحتوى الذي يشاهده الطفل؟

شهادات الأسر: "ما نراه على الشاشة نراه أحياناً في سلوك أطفالنا"

تقول والدة الطفل ريان محمد عوض، البالغ من العمر خمس سنوات، إن مشاهدتها لسلوك شخصية "ماشا" في مسلسل "ماشا والدب" جعلتها تلاحظ، من وجهة نظرها، مجموعة من التصرفات التي ترى أنها قد تحمل تأثيراً سلبياً على طفلها .

وتوضح الأم أن الشخصية تظهر في مواقف تتسم بـ"الحركة المفرطة والثرثرة والتخريب والشغب وعدم احترام المربي"، إلى جانب الإصرار على تنفيذ ما يريده، بغض النظر عن توجيهات الشخصية البالغة .

وترى الأم أن المشكلة لا تتوقف، في نظرها، عند الحركة والشغب، وإنما تمتد إلى الرسائل السلوكية التي يمكن أن يلتقطها طفلها من تكرار هذه التصرفات. وتقول إن الشخصية، كما تراها في بعض الحلقات، تروّج للأنانية وحب النفس وفعل كل ما يدور في ذهنها، مستشهدة بإحدى الحلقات التي ألقت فيها ماشا الطعام الذي أعجبها على الأرض ، وهذا ما انعكس أيضا على ريان .

وتضيف أن بعض الأمهات يواجهن مشكلة أخرى تتمثل في تكرار السلوك الخاطئ بعد الاعتذار عنه بفترة قصيرة.

وتقول إن الحلقة قد تعرض سلسلة من مواقف التخريب أو التصرفات المرفوضة، قبل أن تأتي الشخصية في نهايتها باعتذار سريع لا يستغرق سوى ثوانٍ، ثم تتكرر السلوكيات ذاتها في حلقات لاحقة. 

ومن هنا، تبدي الأم خشيتها من أن يفهم الطفل الاعتذار باعتباره مجرد عبارة لفظية يمكن قولها بعد ارتكاب الخطأ، من دون أن يرافقه بالضرورة تغيير حقيقي في السلوك.

وتؤكد ، المشكلة بالنسبة لنا ليست في وجود شخصية مشاغبة بحد ذاته، وإنما في الطريقة التي قد يفسر بها الطفل ما يشاهده، خصوصاً عندما يكون صغيراً وغير قادر على التمييز الكامل بين ما هو للترفيه وما هو سلوك مقبول في الحياة اليومية .

من جانبها، تقول والدة الطفلة راتيل سعيد الشوا، البالغة من العمر ثلاث سنوات، إن ابنتها تتفاعل بشكل كبير مع شخصية ماشا، وإنها لاحظت قيامها بتقليد عدد من حركاتها وتصرفاتها.

وتوضح الأم أن طفلتها "تقلد حركات ماشا وتصرفاتها، بما فيها بعض السلوكيات التي تراها الأم غير مناسبة"، مشيرة إلى أن ذلك ينعكس، بحسب ملاحظتها الشخصية، على مستوى الحركة والانضباط خلال اليوم .

وتضيف أن الطفل قد ينظر بإعجاب إلى ذكاء الشخصية وجرأتها وقدرتها على الوصول إلى ما تريد، لكنه في المقابل قد يجد صعوبة في فهم سبب عدم وجود نتائج أو عواقب واضحة لبعض التصرفات التي تقوم بها الشخصية داخل الأحداث.

وترى الأم أن مسؤولية تفسير هذه المشاهد تقع بدرجة كبيرة على عاتق البالغين، خصوصاً عندما يكون الطفل في مرحلة عمرية لا يزال فيها بحاجة إلى من يساعده على التمييز بين الخيال والواقع، وبين السلوك الذي يُعرض بهدف الكوميديا والسلوك الذي يمكن تقبله في الحياة اليومية.

وتحذر من أن ترك الطفل أمام هذه الرسائل من دون نقاش أو توضيح قد يجعله، مع مرور الوقت، أقل التزاماً بالتوجيهات والقواعد التي يضعها الوالدان أو المربون، خصوصاً إذا وجد في الشخصية الكرتونية نموذجاً محبوباً يحاول محاكاته.

وتؤكد في هذا السياق أن المشاهدة وحدها لا تكفي لفهم تأثير العمل الكرتوني في الطفل، وأن الحكم على التأثير الفعلي يحتاج إلى النظر في عمر الطفل، ومدة المشاهدة، وطبيعة المحتوى، ومدى تكرار السلوكيات المعروضة، إضافة إلى البيئة الأسرية والتربوية المحيطة به.

"ماشا والدب".. من فكرة عفوية إلى ظاهرة عالمية

هل تختبئ "دبابات بوتين" في حقيبة ظهر طفلة ترتدي ثوبًا ورديًا؟ قد يبدو السؤال عبثيًا لكن هذا ما قاله ولي أمر الطالب (قيس العسود ) الذي يبلغ من العمر ثمانية سنوات ، مؤكدا أن القصة أكبر من فرط حركة وتصرفات قد تؤثر على الطفل بل لم تبدأ قصة ماشا في مختبر دعاية، فقد استلهمها المؤلف أوليغ كوزوفكوف من موقف واقعي لطفلة مشاكسة شاهدها خلال عطلة صيفية.

كانت الطفلة تتدخّل في كل شيء، في مقابل عالم راشد يسعى إلى الهدوء، تجسَّد هذا الهدوء في شخصية الدب الصبور، وبعد 10 سنوات من التطوير التقني، انطلقت السلسلة عام 2009.
سرعان ما تحوّلت "ماشا والدب" إلى ظاهرة عالمية؛ فقد تجاوزت إحدى حلقاتها 4.6 مليار مشاهدة، ودخلت موسوعة غينيس كأكثر فيديو رسوم متحركة مشاهدةً في تاريخ اليوتيوب.  

ويُعدّ فيديو هذه الحلقة ضمن قائمة "الأكثر مشاهدة تاريخيًا" والذي لا ينتمي إلى فئة الأغاني، وترتيبها هو الخامس عشر ضمن الفيديوهات الأكثر مشاهدةً على منصة اليوتيوب وفقًا لآخر الإحصائيات.
تؤكد هذه الأرقام أن "ماشا" لم تعد تخاطب الداخل الروسي فحسب، بل أصبحت علامةً تجارية عابرة للثقافات، وقد يكون هذا الانتشار الكاسح هو ما أثار قلقًا غربيًا متزايدًا، ولا سيما في ظل توتّر العلاقات السياسية مع روسيا. 

مع ذلك، لا يمكن إنكار أن السلسلة تعكس وعيًا ثقافيًا معيّنًا، فالتقارب السياسي والاقتصادي بين روسيا والصين ينعكس على شكل قرابة بين "الدب الروسي" وابن عمّه "الباندا الصيني"، الذي يرتدي ملابس مستوحاة من الثقافة الصينية ويطهو أطباقًا صينية تقليدية، ويعلّم ماشا فنون النينجا.

  وذلك منذ الموسم الأول لهذه السلسلة وعبر حلقات عديدة، ظهر فيها "ابن العم الصيني" كشخصية رئيسية. إضافةً إلى حلقة "سنة سعيدة... مرة أخرى" التي عُرضت في عام 2019؛ في هذه الحلقة يزور الباندا الدبَّ الروسي للاحتفال برأس السنة الصينية، ويتعرّف الجميع على التقاليد الصينية مثل التنين الراقص والفوانيس الحمراء والأغاني الخاصة بهذه المناسبة.
في مقابل هذا الاحترام الكبير للثقافة الآسيوية، نجد أن المسلسل يوجّه انتقادًا ذكيًا ومباشرًا إلى مدرسة الكرتون الأميركية في إحدى حلقات الموسم الثالث بالعام 2016 بعنوان "كالقطة والفأر"، في إشارة ساخرة من الكرتون الأميركي الشهير "توم وجيري"، ولعله ردٌّ على الكرتون الفرنسي الذي يسخر من شخصية الدب في سلسلة "غريزي والليمينغ"؛ ففي هذه الحلقة يستعين الدب بقطٍّ خبير بصيد الفئران لحماية ثلاجته من فأر تسلَّل إليها، وتبدأ سلسلة من المطاردات الكوميدية داخل البيت تشبه في أسلوبها مطاردات "توم وجيري"، وتتابع ماشا هذه المطاردة وتضحك كثيرًا، لكنها تخاطب المشاهدين في نهاية الحلقة قائلةً: "الرسوم المتحركة ليست للتسلية والضحك فحسب... بعضها يعلّم الفرق بين الأشياء الجيدة والسيئة، وبعضها الآخر للضحك فقط".

ويؤكد والأب (محمود العسود)، أن هذا التعليق يأتي كنوع من السخرية من المطاردات التي حدثت في الحلقة، والتي لم تخرج بنتيجة مفيدة سوى الضحك، تمامًا كأفلام الكرتون الكلاسيكية التي استُلهمت منها الحلقة.
كما جاءت السلسلة الفرعية التي أُطلقت في عام 2021، والتي تزور فيها ماشا بلدان العالم، لتؤكد بُعدها الإنساني العابر للحدود، متجاوزةً بضحكتها وعفويتها كل الحواجز السياسية والقيود أو العقوبات التي قد تحاول عزل الفن والجمال عن جمهوره العالمي.
في النهاية، يقول الأب ، لا يمكن التعامل مع سلسلة "ماشا والدب" بوصفها عملًا بريئًا تمامًا، ولا كأداة دعائية صرفة. فالمسلسل يقف في منطقة رمادية بين الفن والسياسة، بين العفوية والقراءة المؤدلجة، حيث لا تكمن الحقيقة في الرسائل المباشرة، بل في قابليته للتأويل.

وهذا تحديدًا ما يجعل الجدل حوله محتدمًا، فالأعمال الدعائية الصريحة نادرًا ما تُخيف أحدًا، بينما الأعمال التي تنجح في التسلّل إلى الوجدان من دون أن ترفع شعاراتٍ واضحة هي التي تُثير القلق.
إن الخوف الغربي من "ماشا" لا ينبع من محتوى حلقة بعينها، ولا من قبعة حرس حدود أو دبٍّ صبور، بل من إدراك أعمق بأن معركة النفوذ في القرن الحادي والعشرين لا تُخاض فقط بالصواريخ والعقوبات، بل بالصور والقصص والضحك اليومي الذي يتشرّبه الأطفال قبل أن يتعلموا قراءة الأخبار والانحياز إلى طرف ومعاداة طرف آخر .
وختم الأب قوله ، قد تكون ماشا جنديًا في حرب ثقافية، لكنها بلا شك دليل على أن العالم لم يعد يثق بالبراءة عندما تأتي من "الطرف الآخر". وفي زمن تُفسَّر فيه الأغاني والأفلام والرسوم المتحركة باعتبارها أدوات نفوذ، يصبح السؤال الأهم ليس "هل ماشا بروباغندا؟" بل "إلى أي حدٍّ أصبح العالم عاجزًا عن رؤية الفن خارج منطق الحرب؟  

أبو طربوش : الكرتون لا يسبب "فرط حركة"

أمام ملاحظات بعض الأهالي بشأن تقليد أطفالهم لسلوكيات شخصيات كرتونية، يضع المختص في علم النفس الإكلينيكي الدكتور جميل أبو طربوش فاصلاً واضحاً بين التأثر السلوكي بالمحتوى المرئي وبين الإصابة باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD). 

ويؤكد أبو طربوش، في حديثه ل"أحداث المملكة " أن هناك علاقة بين الاستخدام المفرط للشاشات وبعض مشكلات الانتباه والسلوك، لكن ذلك «لا يعني أن الشاشات تسبب اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه».

ويوضح أن

ADHD اضطراب نمائي عصبي معقد يرتبط بعوامل متعددة، من بينها العامل الجيني، ولا يمكن اعتباره نتيجة لمشاهدة الكرتون.

لكنه يشير في المقابل إلى أن بعض أنواع المحتوى قد تؤثر سلباً في السلوك من خلال التقليد والمحاكاة. 

الشاشة قد تزاحم أنشطة أساسية

ويرى أبو طربوش أن المشكلة لا تتعلق بالمحتوى وحده، وإنما أيضاً بالوقت الذي تستحوذ عليه الشاشة من يوم الطفل، إذ قد تأتي المشاهدة المفرطة على حساب النوم واللعب والنشاط البدني والتواصل اللغوي والتفاعل مع الوالدين.

ويشير إلى أن المحتوى سريع الإيقاع يقدم للطفل سلسلة متواصلة من المثيرات، بينما تحتاج القراءة والرسم واللعب الهادئ والواجبات المدرسية إلى الصبر وتأجيل المكافأة. وقد يظهر تأثير قصير المدى في بعض جوانب الوظائف التنفيذية، مثل الانتباه والذاكرة والتخطيط والتنظيم والتعلم والسلوك.

كما يلفت إلى أن الانتقال المفاجئ من نشاط شديد الإثارة أمام الشاشة إلى نشاط أقل إثارة قد يثير لدى بعض الأطفال الغضب أو البكاء أو الصراخ أو رفض إيقاف الجهاز.

ليس كل طفل كثير الحركة مصاباً بـ ADHD

ويشدد أبو طربوش على أن كثرة الحركة وحدها لا تعني الإصابة باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه.

ويقول إن الطفل بطبيعته يتحرك ويستكشف ويشعر بالملل ويختبر الحدود، بينما يتميز ADHD بأعراض مستمرة وغير مناسبة للعمر، تظهر في أكثر من بيئة وتؤثر في حياة الطفل ومهاراته اليومية.

ومن العلامات التي تستدعي التقييم المتخصص: الحركة المفرطة غير المسيطر عليها، وقصر مدة الانتباه، والانتقال السريع بين الأنشطة، والاندفاعية العالية، وعدم التنظيم وفقدان الأغراض باستمرار، إضافة إلى بعض السلوكيات الخطرة الناتجة عن الاندفاع.

كما يحذر من أن قلة النوم قد تجعل الطفل يبدو مشتتاً أو عصبياً أو مندفعاً وضعيف التركيز، بما قد يعطي صورة شبيهة ببعض أعراض ADHD.

حين يصبح الهاتف وسيلة التهدئة الوحيدة

ويرى أبو طربوش أن الخطر لا يكمن في الشاشة وحدها، بل في الطريقة التي تستخدمها الأسرة. فعندما يصبح الهاتف الوسيلة الأساسية لإسكات الطفل أو إطعامه أو تهدئته أو إشغاله، فقد تقل فرص تعلمه وسائل أخرى لتنظيم مشاعره والتعامل مع الملل والإحباط.

ويقول إن الشاشة «قد تهدئ الطفل فوراً»، لكن الاعتماد المستمر عليها قد يقلل فرص تعلم مهارات التنظيم الذاتي.

ويضيف أن مشاهدة الكرتون تتحول من ترفيه إلى سلوك مقلق عندما تبدأ بأخذ مكان النوم أو الدراسة أو اللعب والتواصل مع الأسرة، أو عندما يفقد الطفل اهتمامه بالأنشطة الأخرى، وتتكرر نوبات الغضب الشديدة عند محاولة إيقافها.

تنظيم لا منع

ولا يدعو أبو طربوش إلى منع الشاشات بشكل مطلق، وإنما إلى تنظيم استخدامها من خلال تحديد أوقات واضحة، واختيار محتوى مناسب للعمر، وعدم استخدامها أثناء الدراسة أو قبل النوم، وعدم وضع الأجهزة في غرفة نوم الطفل، إلى جانب توفير بدائل من اللعب والنشاط وعدم جعل الشاشة الوسيلة الوحيدة للمكافأة أو التهدئة.

ويؤكد أن الطفل المشخّص باضطراب ADHD يحتاج إلى تقييم وعلاج متكامل وفق حالته، وليس مجرد تقليل استخدام الهاتف.

وبذلك، فإن الصورة العلمية، وفق أبو طربوش، أكثر تعقيداً من القول إن الكرتون «يصنع» طفلاً مفرط الحركة؛ فالشاشة ليست سبباً مباشراً لـ ADHD، لكن الاستخدام المفرط وغير المنظم، إلى جانب طبيعة المحتوى، قد يؤثر في النوم والانتباه وتنظيم الانفعالات والسلوك، وقد يجعل بعض الأعراض أكثر وضوحاً.

أبو أسعد : الساعات الطويلة قد تزاحم اللعب والحركة والنوم والتفاعل الأسري

لا تنظر أخصائية تربية الطفل والإرشاد الأسري والزواجي الدكتورة علمية أبو أسعد إلى تأثير أفلام الكرتون باعتباره مسألة ترفيهية بحتة، إذ ترى أن المحتوى المرئي يمكن أن يترك بصمته في سلوك الطفل، خصوصاً في المراحل العمرية المبكرة التي يتعلم فيها الطفل بدرجة كبيرة من خلال الملاحظة والتقليد.

وتوضح أن الطفل قد يقلد طريقة الكلام والحركة والتفاعل التي يشاهدها بصورة متكررة، لا سيما عندما يقضي وقتاً طويلاً أمام الشاشة أو يتعرض لمحتوى سريع الإيقاع وكثيف المثيرات.

لكن أبو أسعد تحذر من وضع جميع الأعمال الكرتونية في خانة واحدة، مؤكدة أن هناك محتوى تعليمياً وإيجابياً يمكن أن ينمي مهارات الطفل، في حين قد يعزز محتوى آخر بعض السلوكيات غير المرغوبة. لذلك، فإن السؤال بالنسبة للأهل، بحسبها، لا ينبغي أن يكون فقط: كم ساعة يشاهد طفلي؟ بل ماذا يشاهد، وكيف يؤثر ذلك في حياته؟

«ما تفعله الشاشة باليوم أهم مما تعرضه»

وترى أبو أسعد أن أحد أهم جوانب المشكلة يكمن في الوقت الذي تقتطعه الشاشة من حياة الطفل. فالساعات الطويلة أمامها قد تعني وقتاً أقل للعب والحركة والخروج والتفاعل مع الآخرين، وقد تنعكس أيضاً على النوم، خصوصاً إذا امتدت المشاهدة إلى ساعات المساء.

وتشير إلى أن بعض الأطفال قد يظهرون بعد مشاهدة المحتوى السريع تململاً أو صعوبة في الانتقال إلى نشاط أكثر هدوءاً، إلا أنها تؤكد أن هذه المظاهر لا يمكن فصلها عن عوامل أخرى، مثل طبيعة الطفل والبيئة الأسرية والنوم والنشاط البدني وطريقة التربية والضغوط النفسية.

الكرتون لا «يصنع» طفلاً مفرط الحركة

وتضع أبو أسعد حداً فاصلاً أمام التفسيرات التي تحمل أفلام الكرتون مسؤولية فرط الحركة، مؤكدة أنه ليس من الدقيق علمياً القول إن أفلام الكرتون تسبب فرط الحركة.

وتوضح أن بعض أنماط استخدام الشاشات قد ترتبط ببعض السلوكيات أو صعوبات الانتباه، لكن العلاقة ليست بالضرورة علاقة سبب ونتيجة؛ فالطفل الذي لديه أصلاً صعوبة في تنظيم الانتباه أو السلوك قد يكون أكثر انجذاباً إلى الشاشات والمحتوى السريع.

كما تحذر من مساواة النشاط الطبيعي للطفل باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، مشددة على أن التشخيص يحتاج إلى تقييم متخصص، وليس إلى ملاحظة سلوك عابر بعد مشاهدة التلفاز أو الهاتف.

الشاشة وصلت إلى مائدة الطعام

ولا يقتصر الأمر، بحسب أبو أسعد، على الحركة والانتباه؛ فالاستخدام الطويل للشاشات قد يرتبط أيضاً بنمط حياة أكثر خمولاً.

وتلفت إلى أن تناول الطعام أمام الشاشة قد يجعل الطفل أقل انتباهاً لإشارات الجوع والشبع، وقد يحول الأكل إلى نشاط مرتبط بالمشاهدة بدلاً من أن يكون عادة مستقلة لها وقت ومكان واضحان.

ولهذا توصي بأن تخصص الأسرة أوقاتاً ووجبات لا ترافقها الشاشة، حتى يتعلم الطفل تناول الطعام بوعي ويحافظ على نمط يومي متوازن.

«راقبوا ما يخسره الطفل بسبب الشاشة»

وتختصر أبو أسعد رسالتها للأهل في ضرورة النظر إلى الصورة كاملة: اختيار محتوى مناسب لعمر الطفل ومرحلة نموه، وتنظيم وقت الشاشة بحيث لا يأتي على حساب النوم واللعب والحركة والتفاعل الأسري والدراسة.

كما تدعو إلى مراقبة الطفل وليس الشاشة فقط؛ فإذا لاحظ الأهل تغيرات مستمرة في النوم أو المزاج أو التركيز أو السلوك، واستمرت هذه الصعوبات وأثرت في حياة الطفل، فمن الأفضل اللجوء إلى المختصين لتقييم الحالة.

وبينما قد لا تكون المشكلة في شخصية كرتونية بعينها، فإن الخطر، وفق هذه الرؤية التربوية، يبدأ عندما تصبح الشاشة جزءاً أكبر من حياة الطفل من اللعب والحركة والأسرة؛ فـالطفل لا يتعلم فقط من الكلمات التي يسمعها، بل أيضاً من السلوك الذي يراه ويتكرر أمامه.

 

photo 392
مقالات ذات صلة