أحداث المملكة - د. معتز جريسات
عندما نتحدث عن النمو الاقتصادي، نتحدث عادة عن أرقام الناتج المحلي الإجمالي، ونسب النمو، وحجم الاستثمارات والصادرات. وهذه الأرقام مهمة، لأنها تعطينا صورة عن حركة الاقتصاد واتجاهاته. لكن هناك جانبًا آخر لا يظهر دائمًا في هذه المؤشرات: كيف ينعكس هذا النمو على حياة الناس اليومية؟
قد يسجل الاقتصاد نموًا في سنة معينة، وقد ترتفع الاستثمارات أو تتحسن بعض المؤشرات الاقتصادية، لكن المواطن قد لا يشعر بتغيير كبير في دخله أو فرصه أو مستوى معيشته. وهنا لا تكمن المسألة في الأرقام نفسها، وإنما في مدى قدرة الاقتصاد على تحويل هذا النمو إلى نتائج تصل إلى الناس.
فالنمو الاقتصادي لا يتحول تلقائيًا إلى تحسن في حياة المواطنين. حتى يصبح النمو محسوسًا، لا بد أن يمر عبر الاقتصاد الحقيقي: شركات تتوسع، ومشاريع جديدة تبدأ، ووظائف تُخلق، وإنتاج يرتفع، وأجور تتحسن، وفرص اقتصادية جديدة تظهر أمام الناس.
ولهذا فإن ارتفاع الناتج المحلي وحده لا يكفي. المهم أيضًا أن نعرف أين تحقق النمو، وما القطاعات التي تقوده، وما القيمة التي يضيفها، وما إذا كان قادرًا على توسيع قاعدة النشاط الاقتصادي وخلق فرص جديدة.
فقد ينمو قطاع معين بصورة جيدة، لكن إذا كان هذا النمو لا يحتاج إلى أعداد كبيرة من العاملين، فقد يكون أثره على سوق العمل محدودًا. وقد ترتفع الاستثمارات، لكن إذا بقي أثرها محصورًا في عدد محدود من الأنشطة، فقد لا يشعر المواطن بنتائجها بصورة مباشرة.
وهنا تظهر أهمية نوعية النمو، وليس فقط نسبته. فالنمو الذي تقوده قطاعات إنتاجية قادرة على التوسع والتصدير وخلق وظائف جديدة يمكن أن يترك أثرًا أوسع من نمو لا ينعكس إلا في مؤشرات الاقتصاد الكلي.
وينطبق الأمر نفسه على الدخول. فعندما ترتفع الأسعار وكلف السكن والنقل والطاقة والخدمات، فإن زيادة محدودة في الدخل قد لا تعني بالضرورة تحسنًا واضحًا في مستوى المعيشة. لذلك فإن فهم أثر النمو يحتاج أيضًا إلى النظر في القوة الشرائية وقدرة الأسر على تلبية احتياجاتها.
وتبقى فرص العمل من أهم القنوات التي ينتقل من خلالها النمو إلى حياة الناس. فالمواطن لا يرى الناتج المحلي الإجمالي في حياته اليومية، لكنه يرى فرصة العمل، ودخله في نهاية الشهر، وقدرته على تأمين احتياجات أسرته. وكلما نجح الاقتصاد في تحويل النمو إلى وظائف منتجة ومستقرة، أصبح أثره أكثر وضوحًا.
وهذا مهم بشكل خاص للشباب. فالشاب الذي يبحث عن أول وظيفة لا يقيس تحسن الاقتصاد بعدد نقاط النمو، وإنما بمدى وجود فرصة حقيقية أمامه. وعندما تتوسع الشركات، وتبدأ مشاريع جديدة، ويزداد الطلب على المهارات، يصبح النمو الاقتصادي أكثر حضورًا في حياة الجيل الجديد.
ولا يعني ذلك أن النمو الاقتصادي يفقد أهميته إذا لم يشعر به المواطن فورًا. بالعكس، النمو هو الأساس الذي يمكن أن يبنى عليه تحسن الدخول والوظائف والخدمات. لكن المهم هو وجود بيئة اقتصادية تساعد على انتقال أثره من مؤشرات الاقتصاد الكلي إلى النشاط الاقتصادي اليومي.
وهنا يأتي دور الحكومة في تحسين البيئة التي تسمح للنمو بأن يتوسع ويصل أثره إلى قطاعات أوسع. تسهيل الاستثمار، وتحسين بيئة الأعمال، ودعم الصادرات، وتطوير المهارات، وتخفيض كلف الإنتاج، وتحسين البنية التحتية، كلها عوامل تساعد على جعل النمو أكثر ارتباطًا بالاقتصاد الحقيقي.
كما أن القطاع الخاص يملك دورًا أساسيًا في هذه المعادلة. فالنمو يصبح أكثر فائدة عندما يتحول إلى شركات جديدة، وتوسع في الشركات القائمة، واستثمارات، وإنتاج، وتوظيف. وكلما اتسعت قاعدة النشاط الاقتصادي، أصبح أثر النمو أكثر انتشارًا بين فئات المجتمع.
وفي الأردن، حيث الموارد محدودة والحاجة إلى فرص العمل مرتفعة، لا يكفي أن نعرف نسبة النمو فقط. من المهم أيضًا أن نعرف أين تحقق، وما الذي أنتجه، وكم وظيفة خلق، وما القطاعات التي استفادت منه، وكيف انعكس على دخول الأسر وقدرتها على الإنفاق.
وهذا يتطلب النظر إلى المؤشرات الاقتصادية بصورة أكثر شمولًا. فإلى جانب الناتج المحلي والاستثمار والصادرات، من المهم متابعة إنتاجية العامل، ونمو الأجور، وفرص العمل الجديدة، ومشاركة الشباب والنساء في سوق العمل، وتطور كلفة المعيشة.
فالمواطن لا يعيش داخل جدول اقتصادي، وإنما يعيش في تفاصيل يومية. عندما يجد وظيفة، أو يتحسن دخله، أو يبدأ مشروعًا، أو يستطيع تحمل كلفة المعيشة بصورة أفضل، يصبح النمو شيئًا يمكن أن يلمسه، وليس مجرد رقم يسمعه في الأخبار.
في النهاية، لا يقاس نجاح النمو الاقتصادي بحجمه فقط، وإنما بقدرته على تغيير حياة الناس. فالنمو الذي يخلق وظائف، ويرفع الإنتاجية، ويحسن الدخول، ويوسع الفرص، هو النمو الذي ينتقل من مؤشرات الاقتصاد إلى واقع المجتمع.
النمو الاقتصادي الناجح هو الذي ينتقل من الأرقام إلى حياة الناس.
