الرئيسية / مقالات
مقالات

حساب مجهول يستدرج الأردنيين

حساب مجهول يستدرج الأردنيين

بقلم: جهاد مساعدة 
ليست كل عبارة تبدأ بالغيرة على الناس بريئة، وليست كل صفحة تقول إنها تريد مساعدة العاطلين عن العمل صفحة خيرية. أحيانًا يختبئ أخطر خطاب خلف أكثر الملفات وجعًا: البطالة، والبحث عن العمل، وحاجة الناس إلى فرصة تحفظ كرامتهم.
هنا لا نتحدث عن مبادرة واضحة الاسم، معروفة الجهة، بل عن حساب متخفٍّ خلف اسم مستعار وصورة رمزية، يخرج على الناس بخطاب شعبوي يقول لهم: الدولة تركتكم، ونحن البديل. وهذه ليست جملة بريئة؛ إنها مفتاح اللعبة كلها.
حين يقول الحساب إن الدولة تخلت عن الناس، فهو لا يفتح بابًا للتوظيف بقدر ما يفتح ثقبًا في جدار الثقة. وحين يصوّر الخلل الإداري وكأنه دليل على نهاية المؤسسة، فهو لا يناقش خللًا قابلًا للنقد والمعالجة، بل يصدر حكمًا شاملًا بأن المؤسسة انتهت، وأن البديل صفحة غامضة تمنح نفسها دورًا لا تملك له صفة ولا مسؤولية معلنة.
الأسلوب هنا شديد الخطورة، ويحمل ملامح أسلوب استخباراتي ناعم؛ لأنه لا يبدأ بالتحريض المباشر، بل بالخدمة. يضع الحساب يده على وجع حقيقي، ثم يعرض نفسه وسيطًا شعبيًا بين الباحثين عن العمل وأصحاب الشواغر، ويطلب من الناس أن يكتبوا له ماذا يعملون، وأين يسكنون، وما الذي يبحثون عنه.
وهنا يجب أن ينتبه الناس جيدًا: لا تضعوا حاجاتكم ومهاراتكم وظروفكم في يد حساب مجهول، أو منصة تُدار من خارج الوطن ولا تُعرف هويتها ولا غاياتها. لا تجعلوا بطالتكم مادة مكشوفة لمن يريد استدراج الناس بخطاب الوعد أو التحريض.
فهذا، بلغة التحليل الأمني، ليس مجرد تفاعل عفوي، بل جمعٌ للمؤشرات الاجتماعية والاقتصادية والسكانية: مناطق البطالة، والمهن المطلوبة، والفئات الغاضبة، والشباب الباحثين عن فرصة، والشرائح التي تشعر بضيق الحال. إنها خريطة بشرية تُكتب طوعًا تحت منشور استدراجي مُغلّف بالمساعدة. وهذا النمط يقترب من تكتيكات الحرب النفسية؛ إذ يدخل من باب الحاجة، ويزرع الشك، ثم يحوّل بيانات الناس إلى مادة قابلة للرصد والتوجيه، على طريقة غرف التأثير والحرب النفسية في بيئة الصراع الرقمي، التي ترمز إليها في الوعي العربي وحدات مثل 8200.
ولا يقف الخطر عند منشور التشغيل وحده؛ ففي منشورات مشابهة للحساب، وهو يزعم التحذير من الإساءة للأردن، يشرح للناس طريق الإساءة خطوة خطوة؛ يقول لهم إن بعض طالبي اللجوء يصنعون ملفًا عبر شتم الدولة ورموزها، وجمع المنشورات والصور لاستخدامها أمام دوائر الهجرة. وهنا يتحول التحذير إلى دليل استخدام، وتتحول القصة من فضح ظاهرة إلى تعليم غير مباشر لمن يبحث عن ذريعة. فليس أخطر من حساب مجهول يزعم الدفاع عن الوطن، ثم يقدّم لليائس والغاضب وصفة جاهزة: اشتم، صوّر، اجمع الأدلة، وقل إنك مهدد.
نعم، هناك بطالة، وتحديات معيشية تحتاج إلى حلول جدية. لكن علاج الخلل لا يكون بتسليم هموم الناس لحساب متخفٍّ. النقد المسؤول حق، والمطالبة بتوفير فرص العمل واجب وطني، أما تحويل حاجة الناس إلى منصة لتجميع الغضب وتوجيهه ضد الدولة، فذلك خطر لا يجوز التهاون معه.
والأخطر أن صاحب الحساب يخفي اسمه الحقيقي، بينما يطلب من الناس كشف أسمائهم، وأعمالهم، ومناطقهم، وحاجاتهم. يحتمي هو بالغموض، ويدفع الجمهور إلى العلن؛ وهذه، في حد ذاتها، مفارقة تثير الشبهة. فمن لا يكشف اسمه لا يحق له أن يطلب ثقة الناس.
انتبهوا: لا تُزوّدوا أي حساب متخفٍّ ببياناتكم، ولا تدعموه بحجة أنه يتعرض لهجمة. اكشفوا أسلوبه وأبلغوا عنه عبر القنوات الرسمية ووسائل الإبلاغ الرقمية. فمن يدّعي صفة مكتب تشغيل شعبي، فعليه أن يكشف هويته ومرجعيته ولمصلحة من يعمل. واحذروا هذا الشبح الرقمي حين يرتدي ثوب المنقذ؛ فقد يبدأ بتعليق بريء، ثم ينتهي بمواطنين مستدرَجين لا يعرفون من يقودهم، ولا إلى أين يُساقون.

مقالات ذات صلة