يبدا الكثيرون يومهم بمطالعة توقعات الابراج بحثا عن اجابات او رسائل تطمئن قلوبهم تجاه المستقبل. وعند قراءة عبارة عامة توحي بحدوث تغيير كبير في حياتهم يشعرون بانها كتبت خصيصا لهم رغم عموميتها المطلقة.
ويفسر علماء النفس هذه الظاهرة بما يسمى تاثير بارنوم او تاثير فورير. وهو ميل فطري لدى البشر للاقتناع بان الاوصاف الغامضة والعامة تنطبق عليهم بشكل شخصي ودقيق للغاية في مختلف جوانب حياتهم اليومية.
وتكشف الدراسات ان هذا النمط من التفكير يندرج تحت بند التحيزات المعرفية. حيث يقوم العقل بلي عنق الحقائق وتفسير المعلومات بناء على التجارب الخاصة والتوقعات العاطفية بدلا من الاعتماد على المنطق السليم والموضوعي.
ما هو تاثير بارنوم وكيف يعمل؟
وبين المختصون ان تاثير بارنوم يمثل خدعة نفسية بارعة تستغل رغبة الافراد في العثور على معنى لحياتهم. فعندما يسمع الشخص جملة مثل ستحقق هدفك قريبا فانه يربطها فورا بظروفه الحالية ويصدقها دون تفكير.
واضاف الباحثون ان هذا السلوك يزداد حدة لدى الاشخاص الذين يمرون بضغوط نفسية او قلق تجاه المستقبل. حيث يصبح العقل اكثر استعدادا لتقبل اي اشارات خارجية تمنحه الامل وتخفف من وطاة الحيرة والتوتر.
واكدت الابحاث ان هذا التاثير لا يقتصر فقط على التنجيم وقراءة الطالع. بل يتوسع ليشمل اختبارات الشخصية المنتشرة عبر الانترنت ومنشورات مواقع التواصل الاجتماعي وحتى بعض الرسائل التسويقية التي تستهدف التلاعب بمشاعر المستهلكين.
تجربة فورير العلمية وتفسير الخداع النفسي
وكشف العالم بيرترام فورير عام 1949 عن دليل تجريبي قاطع لهذه الظاهرة. حين قدم لطلابه تحليلا شخصيا موحدا وادعى انه مفصل لكل فرد. ليصدم الجميع بانهم اعتبروا التحليل دقيقا جدا ومطابقا لشخصياتهم تماما.
واوضح فورير ان الطلاب وقعوا في فخ العبارات الفضفاضة مثل لديك حاجة لان يحبك الاخرون او احيانا تكون منفتحا واحيانا اخرى انطوائيا. وهي جمل يمكن لاي انسان على وجه الارض ان يجد نفسه فيها.
واشار خبراء علم النفس الى ان بول ميهل اطلق لاحقا مصطلح عبارات بارنوم لوصف هذه الجمل الغامضة. حيث تستخدم هذه الاستراتيجية لجذب الانتباه وايهام المتلقي بان هناك معرفة عميقة وخاصة تخاطب جوهره وكيانه.
لماذا ينجرف العقل البشري وراء هذه الاوهام؟
واظهرت التحليلات ان الرغبة في رؤية الذات بصورة ايجابية تلعب دورا محوريا في تصديق هذه الخدع. فالبشر يميلون فطريا لتبني المعلومات التي تعزز ثقتهم بانفسهم وتجعلهم يشعرون بالتميز والخصوصية في نظر الاخرين او امام انفسهم.
وتابع المختصون ان الدماغ البشري يسعى دائما للهروب من عبء التفكير التحليلي العميق. مفضلا الوصول الى استنتاجات سريعة ومريحة نفسيا. وهذا ما يجعلنا نغفل عن التحقق من مصداقية المعلومات الموجهة الينا في حياتنا اليومية.
وخلصت الدراسات الى ان التاثير يزداد قوة عندما تاتي المعلومات من شخص ينظر اليه على انه خبير او صاحب معرفة. مما يعطل التفكير النقدي ويجعل الفرد اكثر عرضة لتقبل الادعاءات دون ادنى تمحيص او تدقيق.
كيف تحمي نفسك من الوقوع في هذا الفخ؟
وشدد الخبراء على ضرورة زيادة الوعي بطبيعة عمل الدماغ البشري في مواجهة هذه الاغراءات. فمجرد ادراكك ان هذه التوقعات تعتمد على عبارات عامة يجعلك اكثر حصانة وقدرة على التمييز بين الحقيقة والوهم والمراوغة.
وبينت الارشادات النفسية ان ادارة التوتر والقلق بطرق صحية تقلل من الحاجة للجوء الى التنجيم او الابراج. فالبحث عن الطمأنينة في مصادر موثوقة وعلمية هو السبيل الوحيد للحفاظ على التوازن النفسي بعيدا عن الخرافات.
واكدت النصائح على اهمية ممارسة التفكير النقدي قبل اتخاذ اي قرارات حاسمة تتعلق بالمال او العلاقات او الصحة. لا تجعل توقعات مجهولة توجه دفة حياتك واسال دائما عن الادلة العلمية قبل تصديق اي ادعاء شخصي.
