هل شعرت يوما ان مزاجك تعكر فجاة بمجرد الجلوس بجانب شخص غاضب او متوتر في مكتبك؟ قد تكون وقعت ضحية لما يعرف بالعدوى العاطفية، وهي ظاهرة نفسية خفية تجعل مشاعر الاخرين تتسرب اليك دون ادراك.
واوضحت دراسات حديثة ان الانفعالات تنتقل بين البشر عبر شبكات اجتماعية وبيولوجية معقدة، تماما كما تنتشر الفيروسات في الاوساط البشرية، حيث تتاثر حالتك النفسية وسلوكك بما يحمله المحيطون بك من طاقة سلبية او ايجابية.
وبينت الابحاث ان هذه الظاهرة تحدث بشكل تلقائي ولا واعي، اذ يجد الانسان نفسه يتبنى مشاعر من حوله، مما يؤثر بشكل مباشر على جودة قراراته اليومية وقدرته على الانجاز في بيئة العمل او المنزل.
كيف ينتقل فيروس المشاعر بين البشر؟
واضافت الاخصائية شيرين عبد العليم ان انتقال المشاعر يحدث عبر لغة الجسد وتعابير الوجه ونبرات الصوت، حيث يبدا الدماغ بمحاكاة حالة الشخص الاخر العاطفية، مما يحول التوتر الفردي الى حالة جماعية داخل المكان.
واشارت الى ان تاثير التموج العاطفي يفرض نفسه بقوة، فبمجرد دخول شخص محبط الى اجتماع ما، تبدا طاقته السلبية بالتسرب تدريجيا الى باقي الحضور، مما يغير ديناميكية التفاعل ويؤثر على الانتاجية الكلية للمجموعة.
واكدت ان البشر بطبيعتهم يميلون للتعاطف اللاواعي، وهو امر مفيد في التواصل الانساني، لكنه يصبح عبئا عندما تتحول هذه المحاكاة الى استنزاف للطاقة الشخصية بسبب التعرض المستمر لمشاعر القلق والضيق من الاخرين.
الخلايا المرآتية وسر المحاكاة العاطفية
وبينت الدراسات ان السر يكمن في الخلايا العصبية المرآتية، وهي جهاز رادار داخلي في الدماغ ينشط عندما نراقب الاخرين، مما يعيد تشغيل مشاعرهم داخلنا لنفهمهم، لكننا ندفع ثمن ذلك من استقرارنا النفسي الخاص.
واوضحت ان هذه العملية تمر بثلاث مراحل تبدا بالتقليد غير الواعي للحركات، ثم التغذية الراجعة الجسدية التي ترسل اشارات للدماغ بالتوتر، وتنتهي بالتماهي العاطفي الذي يحول المحاكاة الى شعور حقيقي ومؤلم يسيطر على تفكيرنا.
وشددت على ضرورة الوعي بهذه الالية، لان فهم كيفية عمل الدماغ يمثل الخطوة الاولى لبناء درع واق، مما يمنع انتقال هذه الطاقة السلبية الينا ويحافظ على توازننا النفسي في مواجهة ضغوط المحيطين بنا.
التبعات الصحية للعدوى العاطفية المزمنة
وكشفت تقارير طبية ان التعرض المستمر للسلبية لا يتوقف عند المزاج، بل يرفع هرمونات التوتر مثل الكورتيزول، مما يضع الجسم في حالة تاهب دائم ويؤثر سلبا على كفاءة الجهاز المناعي وقدرته على المقاومة.
واضافت ان الاثار الجسدية تظهر في شكل صداع مزمن واضطرابات في النوم وتشنجات عضلية، اضافة الى تراجع التركيز والذاكرة، نتيجة استهلاك الموارد الذهنية في التعامل مع الضغوط النفسية التي تم امتصاصها من الاخرين.
وبينت ان حماية النفس من هذه الاثار تتطلب استراتيجيات ذكية، فلا يجب ان نكون ضحايا للبيئة المحيطة، بل علينا تعلم مهارات وضع الحدود النفسية والاعتماد على اليقظة الذهنية لضمان سلامتنا الجسدية والذهنية.
استراتيجيات الحماية من التاثير السلبي
واكدت ضرورة وضع حدود صحية، مثل تحديد وقت للشكوى، واستخدام ادوات التباعد عند الحاجة، وتفعيل الدرع المعرفي عبر سؤال النفس هل هذا الشعور يخصني ام يخص غيري، لضمان عدم حمل اعباء الاخرين.
واضافت ان العلاج الجدلي السلوكي يقدم تقنيات ممتازة لتعزيز المناعة النفسية، حيث تساعد مهارات الاسترخاء والوعي على الفصل بين مشاعرنا ومشاعر من حولنا، مما يمنحنا القدرة على تقديم الدعم دون ان نغرق معهم.
وختمت بالقول ان الوعي هو المفتاح، فبدلا من ان تكون ضحية للعدوى السلبية، يمكنك ان تكون انت مصدرا للطاقة الايجابية والهدوء الذي يعدي الاخرين ويمنحهم مساحة للتعافي من ضغوطهم الخاصة في بيئتهم المحيطة.
