شهدت رحلة استخدام شبكة الانترنت تحولات جذرية في طبيعتها، حيث انتقل المستخدم من مرحلة البحث اليدوي عن المعلومات وحجز الخدمات بنفسه الى مرحلة التفاعل المباشر مع المنصات التي تهدف لجذب انتباهه باستمرار.
وكشفت التوجهات الحديثة لشركات التقنية الكبرى عن رغبة واضحة في الانتقال من مجرد جذب الانتباه الى مرحلة جديدة كليا، وهي جعل المستخدم يعتمد اعتمادا كليا على ادوات الذكاء الاصطناعي في حياته.
واوضحت التحليلات ان الشركات باتت تتسابق اليوم لتطوير وكلاء اذكياء قادرين على ادارة المهام الشخصية والمهنية، مما يحول الذكاء الاصطناعي من مجرد مجيب على الاسئلة الى مساعد رقمي يدير تفاصيل يومنا.
من اقتصاد الانتباه الى اقتصاد الاعتماد
وبينت التقارير ان مايكروسوفت وميتا تعملان بجد على دمج مساعدين اذكياء في انظمة التشغيل، بهدف بناء علاقة اعتماد طويلة الامد تجعل من الصعب على المستخدم الانتقال الى منصات منافسة او خدمات بديلة.
واضاف الخبراء ان هذا التحول يغير قواعد المنافسة من محاولة استنزاف وقت المستخدم امام الشاشات الى كسب ثقته، وذلك عبر تقديم وكلاء يتمتعون بقدرة فائقة على انجاز المهام بدقة وسرعة عالية.
واكد المراقبون ان هذا التوجه يضع الشركات امام تحديات جديدة تتعلق بامن البيانات والصلاحيات، حيث يتطلب عمل الوكيل الذكي وصولا واسعا الى البريد الالكتروني والتقويم والملفات الخاصة لضمان تنفيذ المهام المطلوبة.
لماذا اصبح التفويض نموذج الاعمال الجديد؟
وذكر المختصون ان النموذج الاقتصادي القادم يعتمد على ما يسمى باقتصاد التفويض، حيث تصبح الشركات وسيطا لا غنى عنه في تنفيذ المعاملات اليومية بدلا من الاكتفاء بعرض الاعلانات الجذابة للمستخدمين.
واشار المتابعون الى ان الشركات التي تمتلك الوكيل الذكي ستصبح هي البوابة الرئيسية للعالم الرقمي، مما يقلص دور المواقع والتطبيقات التقليدية ويجعلها مجرد بنية تحتية تعمل في الخلفية دون تواصل مباشر.
واضاف الخبراء ان هذه الاستراتيجية ستجبر الشركات على التنافس من اجل اقناع خوارزميات الوكلاء الاذكياء بدلا من المستخدم النهائي، مما يعيد رسم موازين القوى داخل قطاع الاقتصاد الرقمي بشكل غير مسبوق.
كلما ازداد الاعتماد تعاظمت الحاجة الى السيادة الرقمية
وبينت الدراسات ان تزايد الصلاحيات الممنوحة للوكلاء الاذكياء يطرح تساؤلات جوهرية حول مفهوم السيادة الرقمية، ومدى قدرة المستخدم على التحكم في بياناته ومنع استغلالها من قبل الشركات المطورة لهذه الانظمة.
وشدد الخبراء على ان الحوكمة الرقمية اصبحت جزءا لا يتجزأ من النموذج الاقتصادي، اذ يتعين على الشركات توفير شفافية كاملة حول كيفية اتخاذ الوكلاء لقراراتهم وضمان خصوصية المستخدم في كل خطوة.
واوضح الباحثون ان الاعتماد المفرط على منصة واحدة قد يؤدي الى مخاطر الارتهان الرقمي، مما يتطلب وجود اطر تنظيمية تضمن للمستخدم حرية نقل بياناته وتفضيلاته بين الوكلاء المختلفين دون قيود.
من الاعتماد الى الارتهان
واكد الخبراء ان الحل يكمن في تعزيز قابلية التشغيل البيني بين المنصات ودعم النماذج مفتوحة المصدر، لضمان عدم هيمنة عدد محدود من الشركات على هذا السوق الحيوي وتجنب الاحتكار الرقمي القادم.
واضاف المحللون ان الذكاء الاصطناعي السيادي يبرز كخيار استراتيجي للدول والمؤسسات، بهدف تطوير ادوات تراعي الخصوصية والسياسات الوطنية بعيدا عن التبعية الكاملة لمنصات تسيطر عليها شركات عالمية كبرى بشكل مطلق.
وختم الخبراء بالتأكيد على ان العقد القادم سيشهد صراعا محموما على كسب ثقة المستخدم والاعتماد اليومي عليه، حيث ستكون القدرة على التفويض هي العملة الجديدة والاكثر قيمة في عالم التكنولوجيا القادم.
