يواجه مسار انهاء الحرب في قطاع غزة تحديات وجودية معقدة في ظل تصعيد ميداني واسع النطاق تقوده اسرائيل في مناطق متفرقة، وتزامنا مع مناورات سياسية يمارسها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لعرقلة خطط اعادة الاعمار. واكدت تقارير ميدانية ان نتنياهو يصر على ربط ملف التعمير بنزع سلاح الفصائل الفلسطينية، وهو شرط يراه مراقبون بمثابة نسف متعمد للاتفاقات المبرمة وتوسيع لدائرة الحصار المفروض على القطاع منذ فترات طويلة.
واضاف خبراء ان هذا التحول المفاجئ يضع المجتمع الدولي امام تساؤلات صعبة بشان قدرة الوسطاء على كبح الجماح الاسرائيلي، خاصة مع تعنت تل ابيب في تنفيذ الالتزامات المترتبة عليها وفق التفاهمات الدولية الاخيرة. وبين محللون ان الموقف الاسرائيلي يهدف بالاساس الى تعطيل تشكيل لجان ادارة مدنية لغزة، مما يكرس حالة من الفوضى واللا ادارة التي تخدم اجندات اليمين المتطرف في اطالة امد الحرب ومنع استقرار الاوضاع الانسانية.
واوضح مراقبون ان توقيت هذا التصعيد لا ياتي من فراغ بل هو انعكاس لمأزق نتنياهو السياسي الداخلي، حيث يسعى لاستغلال الجمود في الجبهات الاخرى لتمرير سياساته القمعية. واشاروا الى ان استمرار عمليات النسف في المناطق السكنية يعكس رغبة واضحة في تدمير البنية التحتية بشكل نهائي لمنع عودة الحياة الطبيعية، وتحويل القطاع الى منطقة غير قابلة للحياة لفرض واقع ديموغرافي جديد يخدم اهداف الاحتلال الاستراتيجية.
مواقف دولية ومقاربات معقدة بشان الاعمار
وكشفت تحليلات سياسية ان الشروط الاسرائيلية قد تجد صدى لدى بعض القوى الدولية التي تربط التمويل المستقبلي بضمانات امنية صارمة، مما يجعل ملف الاعمار رهينة للابتزاز السياسي المستمر. واكد باحثون ان الدول المانحة لن تقدم على تمويل مشاريع كبرى في ظل غياب الاستقرار الامني، وهو ما تستغله اسرائيل لتعطيل اي محاولات دولية لتقديم الدعم المادي اللازم لاغاثة السكان المنكوبين واعادة بناء المرافق الحيوية المدمرة.
وشدد خبراء على ان المقاومة ابدت مرونة كبيرة في التعاطي مع متطلبات المرحلة الاولى من الاتفاق، وقبلت بحصر السلاح الثقيل وفصله عن الادارة المدنية لفتح الباب امام اعادة الاعمار. وبينما التزمت الاطراف الفلسطينية بتعهداتها، تنصلت اسرائيل من التزاماتها الميدانية وواصلت سيطرتها العسكرية على مساحات واسعة من القطاع، مما يعزز القناعة بان الهدف الاسرائيلي يتجاوز الجوانب الامنية ليصل الى تدمير مقومات الصمود الشعبي.
واضاف محللون ان السيناريوهات القادمة تتراوح بين ضغوط دولية مكثفة لاجبار اسرائيل على التراجع، او استمرار حالة الجمود التي تخدم مخططات التهجير وتمنع عودة النازحين الى ديارهم. واكدوا ان حركة حماس قد تقدم على خطوات مفاجئة تتعلق بفك الارتباط الاداري بالقطاع، وذلك لنزع الذرائع من يد نتنياهو واجبار الاطراف الدولية على تحمل مسؤولياتها في ادارة القطاع بعيدا عن التجاذبات العسكرية التي تزيد من معاناة المدنيين.
مستقبل غزة في ظل سياسة الارض المحروقة
واظهرت التقديرات الاممية ان حجم الدمار في البنية التحتية تجاوز التسعين بالمئة، مما يجعل عملية الاعمار تتطلب جهودا دولية جبارة وتكاليف تقدر بعشرات المليارات من الدولارات. واوضح خبراء ان هذه الارقام الضخمة ستظل حبرا على ورق طالما بقيت اسرائيل تسيطر على مفاصل الحركة وتعرقل دخول مواد البناء والمعدات اللازمة تحت حجج امنية واهية تهدف الى ابقاء القطاع في حالة شلل دائم.
واكدت تحليلات استراتيجية ان الرهان الاسرائيلي يقوم على استنزاف صبر السكان واجبارهم على الرحيل عبر جعل الحياة مستحيلة، وهو ما يفسر اصرار نتنياهو على ربط كل تفاصيل الحياة بالاعتبارات العسكرية. وبينما ينتظر العالم تحركا من مجلس السلام، يبدو ان نتنياهو يراهن على كسب الوقت للحصول على غطاء سياسي جديد من الادارة الامريكية لضمان استمرار العمليات العسكرية دون رقابة دولية تذكر.
واضاف متابعون ان المشهد الختامي للحرب لن يتضح الا من خلال توازن القوى الميداني، حيث تدرك المقاومة ان تقديم تنازلات سياسية لن يغير من طبيعة المخطط الاسرائيلي الرامي الى السيطرة المطلقة. واختتم خبراء بان الحل يكمن في وحدة الموقف الفلسطيني والضغط الدولي الفعال لفرض واقع جديد يتجاوز شروط نتنياهو، ويضمن حقوق السكان في العيش بكرامة واعادة بناء ما دمرته الة الحرب الاسرائيلية.
