تتجه دول وسط اوروبا الى اعادة صياغة تحالفاتها الاقتصادية لتعويض الفراغ الذي تركه تباطؤ الماكينة الصناعية الالمانية التي كانت لسنوات طويلة المحرك الاساسي للنمو في المنطقة عبر استثمارات ضخمة في قطاعات السيارات والصناعات التحويلية.
واوضحت التقارير الاقتصادية ان دولا مثل سلوفاكيا وبولندا والمجر والتشيك بدأت تبحث عن بدائل استثمارية جديدة لتفادي تبعات الركود الالماني، حيث برزت بكين كلاعب رئيسي يسعى لتعزيز حضوره في قلب القارة العجوز.
واكدت البيانات ان هذه الدول تحاول استغلال صدمة الصين الثانية عبر جذب الشركات الصينية لفتح مصانع محلية، مما يساهم في توطين التكنولوجيا الحديثة بدلا من الاكتفاء باستيراد المنتجات الجاهزة والمنافسة في الاسواق.
استثمارات صينية في قلب اوروبا
وبينت المجر انها اصبحت بوابة استراتيجية للشركات الصينية نحو السوق الاوروبية، حيث نجحت في استقطاب مليارات اليورو في قطاعات حيوية مثل البطاريات والسيارات الكهربائية، متجاوزة بذلك مرحلة المنافسة الى مرحلة الشراكة الانتاجية.
واضافت سلوفاكيا نهجا مشابها عبر سعيها الجاد لاستقطاب مصانع كبرى، حيث تشهد البلاد نموا مدعوما برأس المال الصيني، مما يعزز قدرتها على مواكبة التحولات في سلاسل الامداد العالمية التي تبتعد تدريجيا عن الاعتماد الكلي على المانيا.
وشدد الخبراء على ان شركات مثل فولفو وغوشن هاي تك الصينية ضخت استثمارات بمليارات الدولارات في مصانع للسيارات والبطاريات، وهو ما يمثل تحولا هيكليا في خريطة الاستثمار الصناعي داخل دول وسط وشرق اوروبا.
تراجع الدور الالماني التقليدي
واظهرت الدراسات ان الشركات الالمانية نفسها بدأت تفكر جديا في نقل خطوط انتاجها شرقا لتقليل تكاليف الطاقة والعمالة، معتبرة ان منطقة وسط اوروبا اصبحت ملاذا افضل للحفاظ على القدرة التنافسية في ظل المنافسة العالمية.
واشارت نتائج المسوحات الميدانية الى ان نسبة كبيرة من الشركات الالمانية تخطط لنقل انشطتها الانتاجية نحو دول الجوار، مما يمنح هذه الدول فرصة ذهبية للاستفادة من تدفقات الاستثمار المزدوجة بين الصين والمانيا في آن واحد.
وبينت المؤشرات الاقتصادية ان الاعتماد على المانيا كمصدر وحيد للنمو لم يعد ممكنا، مما دفع هذه الدول لتبني استراتيجيات مرنة توازن بين جذب الاستثمارات الاجنبية والحفاظ على مصالحها الوطنية ضمن الاتحاد الاوروبي.
بولندا بين الحذر والانفتاح
واكدت بولندا تمسكها بموقف متحفظ تجاه الاستثمارات الصينية في بعض القطاعات الحساسة، الا ان الواقع التجاري يفرض نفسه مع تزايد المكونات الصينية في سلاسل التوريد الاوروبية التي يصعب فصل الاقتصاد البولندي عنها حاليا.
واضافت التحليلات ان القيمة المضافة الصينية في صادرات الصناعات التحويلية لدول المنطقة تجاوزت المتوسط الاوروبي، مما يجعل الانفتاح على بكين ضرورة اقتصادية يصعب تجنبها رغم التوترات الجيوسياسية التي تفرضها بروكسل في بعض الاحيان.
وكشفت التطورات الاخيرة ان بكين تستغل هذه الفرص لتثبيت قواعد انتاجية داخل الاتحاد الاوروبي، مما يضع دول وسط اوروبا امام تحديات جديدة تتطلب موازنة دقيقة بين جلب التكنولوجيا والوظائف وبين التزاماتها تجاه سياسات الاتحاد.
