تلاشت ملامح الصيف المعتادة في قطاع غزة وحلت مكانها معالم القسوة داخل خيام النزوح، حيث غابت الألعاب والمساحات الآمنة لتحل طوابير المياه والخبز في رحلة بقاء يومية تسرق من الصغار طفولتهم.
واعتاد أطفال غزة في سنوات سابقة على أجواء صاخبة من التنافس في المخيمات الصيفية التي كانت تنظمها مؤسسات ووكالات دولية، لكن الحرب الحالية محت تلك المنظومات بالكامل وتركت فراغا لا يطاق.
ويحاول متطوعون اليوم بجهود فردية ومبادرات بسيطة تولد من رحم المعاناة إحياء روح الترفيه، مستهدفين انتزاع لحظات فرح مقتطعة من قلب المأساة لصناعة أمل جديد رغم قسوة الظروف المحيطة بهم.
جرعات فرح وسط الحطام
وبين أحمد النجار، صاحب مبادرة قادرين نغير، أن الفعاليات الترفيهية باتت متباعدة ومؤقتة في ظل انعدام الموارد، موضحا أنهم يتنقلون بين المخيمات مستعينين بألعاب حركية بسيطة لتخفيف حدة التوتر النفسي.
وأضاف النجار أنهم يعملون في ظروف معقدة جدا تفتقر لأدنى مقومات الحماية من حرارة الشمس، مشددا على أن رغبة الأطفال في الفرح تصطدم بواقع النزوح المستمر الذي يلاحقهم في كل مكان.
وكشف عن نجاحهم في تنفيذ أكثر من مئة فعالية شملت مختلف مناطق القطاع، مبينا أن المبادرة استقطبت أكثر من خمسمئة شاب وخريج جامعي لتحويل طاقاتهم المعطلة إلى قوة دفع إيجابية للأطفال.
من مؤسسات ضخمة إلى خيام
وأكد محمد النزلي صاحب مخيم أنامل التعليمي أن المؤسسات التي كانت تستوعب المئات من الأطفال وتوفر لهم بيئة تعلم متكاملة تحولت إلى ركام، مشيرا إلى أن النشاط عاد بحدود دنيا.
واضاف النزلي أن حجم الاستيعاب تقلص بشكل حاد من أربعمئة طفل إلى خمسين فقط، موضحا أن انعدام الأمان وغياب وسائل المواصلات والوقود يشكلان عائقا كبيرا أمام عودة الحياة للأنشطة التعليمية والترفيهية.
وبين أن الأهالي يخشون إرسال أطفالهم بسبب القصف المستمر، مؤكدا أنهم يقاتلون بأقل الإمكانيات المتاحة للإبقاء على جذوة الأمل حية في نفوس الصغار رغم أن الواقع أثقل من قدراتهم المحدودة بكثير.
معاناة الأمهات داخل المخيمات
وتروي نجلاء القدرة وهي أم نازحة مرارة العيش داخل الخيام، موضحة أن أطفالها يعانون من ضيق وإحباط مستمر، مؤكدة أن غياب الألعاب والمساحات المفتوحة يجعلهم عرضة دائمة للبكاء والشعور بالملل القاتل.
واضافت أن الفعاليات الترفيهية المؤقتة التي تصل إلى المخيمات تمنح الأطفال فرحة لدقائق معدودة، مشددة على أن هذه المسكنات لا تكفي في ظل استمرار المعاناة مع الشمس والقوارض داخل الخيام البسيطة.
وتتمنى الأم أن تعود المخيمات الصيفية المنظمة التي كانت تحتضن مواهب الأطفال وتنمي قدراتهم، بدلا من هذا الواقع المرير الذي يطمس إبداعاتهم ويحصرهم في دائرة من الحزن والانتظار الطويل للفرج.
صدمات نفسية دون تفريغ
وأوضحت هنادي سكيك مستشارة الدعم النفسي أن غياب الأنشطة يترك الأطفال في مواجهة مباشرة مع صدمات الحرب، مبينة أن الألعاب الحركية كانت تمثل صمام أمان لتصريف طاقات الخوف والتوتر المكبوت.
واضافت أن النزوح المستمر تسبب في شلل حاد في نمو المحتوى الاجتماعي للأطفال، مؤكدة أن فقدان المساحات الجماعية يعزز لديهم سلوكيات الانعزال والانسحاب ويقودهم نحو حالة من الإحباط وفقدان الشغف المبكر.
وشددت على أن الأطفال بحاجة ماسة إلى بيئة آمنة للتفريغ النفسي، محذرة من أن استمرار هذا الوضع سيترك ندوبا عميقة في شخصية هؤلاء الصغار الذين كبروا قبل أوانهم بسبب ظروف الحرب.
مقارنات قاسية مع العالم
وبينت سكيك أن الأطفال باتوا يعقدون مقارنات قاسية بين واقعهم المأساوي وما يشاهدونه من حياة طبيعية لأقرانهم في الخارج، موضحة أن هذا التباين يولد لديهم شعورا حادا بالدونية والنقص والحرمان.
واضافت أن هذه المقارنات القسرية تثير تساؤلات مؤلمة لدى الأطفال حول أسباب تميز حياة غيرهم، مشددة على أن النتيجة هي تآكل الاستقرار النفسي وشحن نفوسهم بمشاعر العجز والغضب تجاه واقعهم.
واكدت أن الحرمان من أبسط الحقوق الترفيهية ليس مجرد غياب للمرح، بل هو تهديد لمستقبل جيل كامل يحتاج إلى دعم استثنائي ليتجاوز آثار هذه الحرب القاسية التي فرضت عليهم قسرا.
