لم تتخيل اسيل عميرة ان قرارها بالهروب من لهيب الحرب في السودان برفقة طفليها سيقودها الى واقع اكثر مرارة داخل قطاع غزة حيث وجدت نفسها عالقة وسط حرب ابادة شاملة لا ترحم احدا.
واوضحت اسيل انها وصلت الى القطاع باحثة عن الامان والاستقرار بعد شهور من التوتر في الخرطوم لكن سرعان ما انقلبت حياتها الى جحيم دائم بعد اندلاع الاحداث الاخيرة التي فرضت عليها واقع النزوح القسري.
واكدت ان ظروف النزوح في الخيام الشمالية للقطاع جعلتها تواجه تحديات يومية قاسية حيث تفتقر الى ادنى مقومات الحياة الكريمة وسط مخاوف مستمرة من القصف الذي يلاحق العائلات في كل مكان وزمان داخل غزة.
بين نارين وحربين
وبينت اسيل انها كانت تخطط للبقاء في غزة مع زوجها وبدء حياة جديدة مستقرة الا ان اندلاع الحرب بدد كل امالها واجبرها على العيش بعيدا عن شريك حياتها في ظل ظروف انسانية صعبة للغاية.
واضافت ان معاناتها تضاعفت بعد ان تحملت مسؤولية رعاية طفليها بمفردها وسط المجاعة ونقص الامدادات الاساسية مبينة ان رحلة البحث عن الخبز والماء اصبحت معركة يومية تستهلك طاقتها الجسدية والنفسية بشكل كبير ومستمر.
وشددت على ان الرعب الذي عاشته في السودان من استباحة للمنازل والاعتداءات كان دافعا لزوجها لاخراجها الى غزة لكن المفارقة كانت ان الحرب في القطاع تجاوزت كل التوقعات من حيث العنف والقسوة والدمار.
حرب ابادة ومسؤولية مضاعفة
وكشفت اسيل ان الاعلام لم ينقل سوى جزء ضئيل مما يحدث في غزة حيث طال الدمار كل شيء من منازل ومستشفيات ومدارس مما جعل الحياة مستحيلة في ظل غياب اي افق للحل او السلام.
واوضحت ان غياب الزوج عن المشهد زاد من حجم الضغوط الملقاة على عاتقها كأم واب في آن واحد مشيرة الى ان طفليها لا يزالان يطالبان بلقاء والدهما في لحظات يملؤها الالم والحنين الدائم.
واكدت ان تواصلها مع زوجها عبر الانترنت اصبح الوسيلة الوحيدة للابقاء على شعلة الامل متقدة رغم سوء الخدمة وتقطع الاتصال الذي يحرمهم من سماع صوته بوضوح في معظم الاوقات التي يحتاجون فيها للدعم.
اشتياق موجع
وبينت ان اطفالها يمرون بحالة نفسية صعبة نتيجة بعدهم عن والدهم حيث يتساءلون باستمرار عن اسباب هذا الفراق القسري ولماذا يعيشون بعيدا عن حضنه بينما يرى الاطفال الاخرون اباءهم بجانبهم في كل الاوقات.
واضافت انها طرقت كل الابواب الرسمية والمنظمات الدولية لتسهيل سفرها نحو زوجها الا ان الوعود بقيت حبرا على ورق في ظل القيود المشددة التي يفرضها الاحتلال على المعابر وحركة التنقل للمدنيين العالقين.
واشارت الى ان حياتها اصبحت معلقة بالكامل حيث لا تعليم متاح للاطفال ولا استقرار نفسي ولا امان من القصف المستمر مما جعلها تعيش في حالة من القلق الدائم على مصير اسرتها الصغيرة.
نحن تعبنا
واوضحت ان اطفالها اصبحوا يرفضون البقاء في هذه الظروف مطالبين بالعودة الى والدهم مهما كانت المخاطر مؤكدة ان صوت طفلها الذي لا يتذكر والده جيدا يمزق قلبها كلما تحدث عن رغبته في رؤيته.
واضافت انها تحاول دائما التقاط صور حديثة لترسلها لزوجها لتعويض غيابها الجسدي عنه مبينة ان هذه الذكريات هي الزاد الوحيد الذي يصبرهم على مرارة الايام الطويلة التي قضوها بعيدا عن بيتهم الدافئ.
وشددت على انها لا تطلب سوى حقها الانساني في العيش مع زوجها واطفالها بكرامة بعيدا عن صرخات الحرب التي تلاحقهم من بلد الى اخر دون توقف مما يستدعي تدخلا عاجلا لانهاء معاناتهم.
حياة مهددة بالبقاء
وكشفت ان هناك المئات من النساء اللواتي يعانين من نفس المصير حيث تقطعت بهن السبل داخل القطاع المحاصر وتدمرت حياتهن الزوجية والاجتماعية بسبب قرارات منع السفر التي تحرمهن من لم الشمل مع عائلاتهن.
واضافت ان ابنتها تحاول متابعة تعليمها عبر تطبيقات الهاتف في ظل غياب المدارس مبينة ان هذا الواقع فرض عليها ضغوطا اضافية تجعلها تشعر بالظلم والقهر تجاه كل ما يحدث لها ولغيرها من النساء.
وختمت حديثها بالتأكيد على ان حلمها الوحيد هو الاستيقاظ يوما ما لتجد نفسها حرة من قيود الحرب والنزوح لتعود الى دفء اسرتها وتطوي صفحة الالم التي استمرت لسنوات طويلة من الحروب والانتظار.
زوجات عالقات
واظهرت التقديرات ان هناك اكثر من 800 زوجة عالقة في قطاع غزة برفقة الاف الاطفال الذين يعيشون مستقبلا غامضا خلف معابر مغلقة ترفض فتح ابوابها امام الحالات الانسانية الملحّة والضرورية.
واكدت تقارير حقوقية ان قيود الاحتلال تسببت في انهيار العديد من العلاقات الزوجية وتفكك الاسر مشيرة الى ان الحق في لم الشمل هو حق اصيل يجب احترامه وتطبيقه دون مماطلة او تسويف دولي.
واضافت ان حياة هؤلاء النساء معلقة على اسوار المعابر بانتظار بارقة امل تنهي رحلة العذاب وتسمح لهن بالخروج من دائرة الموت والدمار للالتحاق بأزواجهن وبناء حياة جديدة بعيدا عن شبح الحرب.
