يحمل الذكاء الاصطناعي وعودا كبيرة لتحسين كفاءة الطاقة وخفض الانبعاثات الكربونية الضارة. لكن دخوله المتسارع الى صناعة النفط والغاز يكشف وجها اخر للثورة التقنية، حيث تستخدمه الشركات لزيادة معدلات الاستخراج وتطوير عمليات الحفر.
واوضحت التقارير ان التكنولوجيا التي تستطيع تحسين اداء توربينات الرياح ورصد تسربات الميثان، يمكنها في الوقت نفسه مساعدة شركات الوقود الاحفوري على اكتشاف مكامن جديدة، وتحسين الاداء التشغيلي وزيادة وتيرة الانتاج بشكل ملحوظ.
وكشفت الدراسات الحديثة ان هذه المفارقة تاتي في وقت تتزايد فيه الاستثمارات في مراكز البيانات، بينما يحذر باحثون من ان قياس الاثر البيئي لهذه التقنية لا ينبغي ان يقتصر على استهلاك الكهرباء فقط.
انتاج نفطي اكثر بكلفة اقل
وبين الخبراء ان احدى اهم نقاط التحول تكمن في قدرة الذكاء الاصطناعي على التعامل مع كميات هائلة من البيانات الجيولوجية والزلزالية، التي يصعب تحليلها بالطرق التقليدية، مما يسهل عمليات محاكاة المكامن النفطية.
واكدت وكالة الطاقة الدولية ان شركات النفط والغاز كانت من اوائل مستخدمي تقنيات الحوسبة المتقدمة، حيث ارتفع عدد الحواسيب العملاقة التي تشغلها الشركات في هذا القطاع الحيوي بشكل كبير خلال السنوات الاخيرة الماضية.
واضافت المصادر ان شركات كبرى مثل ارامكو تستخدم الذكاء الاصطناعي في تفسير البيانات الزلزالية ونمذجة باطن الارض، بهدف دعم عمليات اكتشاف واسترداد الهيدروكربونات، وهو ما يعزز من كفاءة العمليات ويخفض التكاليف التشغيلية بشكل كبير.
مفارقة تهدد المناخ
واظهرت البيانات ان المشكلة الاساسية تكمن في ان تحسين كفاءة استخراج النفط والغاز يجعل انتاج كميات اضافية من الوقود الاحفوري اكثر جاذبية اقتصاديا، مما قد يؤدي الى توسع اكبر في هذا القطاع.
وذكرت دراسة حديثة ان مكاسب الانتاجية التي يتيحها الذكاء الاصطناعي في قطاع الوقود الاحفوري يمكن ان تتجاوز الوفورات الناتجة عن استخدامه في الطاقة النظيفة، مما يرفع من حجم الانبعاثات العالمية بشكل مقلق ومستمر.
واشار الباحثون الى ان السيناريوهات التي يتوسع فيها الذكاء الاصطناعي قد ترفع الانبعاثات بمقدار مليارات الاطنان من ثاني اكسيد الكربون سنويا، ما يعادل نسبة كبيرة من اجمالي انبعاثات الطاقة العالمية في الوقت الحالي.
الوجه الاخضر للذكاء الاصطناعي
وبينت التقارير انه سيكون من غير الدقيق تصوير الذكاء الاصطناعي كاداة لزيادة التلوث فقط، اذ ترى وكالة الطاقة الدولية ان التقنية تستطيع تحسين كفاءة انظمة الطاقة وتسريع الصيانة والتنبؤ بمصادر الطاقة المتجددة.
واكدت الابحاث ان الخوارزميات يمكنها المساعدة في اكتشاف تسربات الميثان في المنشات النفطية عبر تحليل بيانات الاقمار الصناعية، بما يسمح باصلاح التسربات بسرعة اكبر، وهو غاز دفيء يمتلك تاثيرا قويا على المناخ.
واضاف المحللون ان التحدي لا يتعلق فقط بكفاءة البرميل الواحد، بل بعدد البراميل التي ستنتجها الصناعة نتيجة لهذه الكفاءة، فإذا ادى خفض التكاليف الى اكتشاف موارد جديدة، فقد تتجاوز الانبعاثات الوفر المحقق.
معركة على اتجاه الذكاء الاصطناعي
وكشفت التقديرات ان استهلاك مراكز البيانات للكهرباء قد يتضاعف بحلول عام 2030، لكن الاثر المناخي الحقيقي قد يتجاوز هذا الاستهلاك اذا ساهمت التقنية في توسيع انتاج الوقود الاحفوري على نطاق عالمي واسع.
وشدد الخبراء على ان القضية ليست معركة بين ذكاء اصطناعي اخضر واخر ملوث، بل هي معركة حول اتجاه استخدام التقنية، فالخوارزمية نفسها التي تستخرج النفط يمكن ان تدير شبكة كهرباء اكثر كفاءة.
واختتم المحللون بان مستقبل الاثر البيئي للذكاء الاصطناعي لن تحدده قوة الخوارزميات وحدها، بل السياسات التي ستحدد حدود استخدامها، ومدى سرعة توجيه قدراتها نحو ابتكار حلول طاقة نظيفة ومستدامة للمستقبل القريب.
