تستعيد منطقة باب البحر في قلب القاهرة التاريخية بريقها مع اقتراب ذكرى المولد النبوي الشريف حيث تتحول الشوارع العتيقة الى خلية نحل تنبض بالحياة وتفوح منها روائح السكر والملبن التي تعيد ذكريات الماضي.
وتعد هذه المنطقة شاهدا حيا على التاريخ منذ العصر الايوبي اذ حافظت على مكانتها كمركز رئيسي لتجارة الجملة والمواد الغذائية قبل ان تصبح الوجهة الاولى والاشهر لصناعة وتوزيع حلوى المولد في كل انحاء مصر.
واوضحت المعطيات الميدانية ان المنطقة تحتفظ برونقها الشعبي رغم تغير معالم العمران المحيط بها حيث يتوافد عليها المواطنون من كافة المحافظات بحثا عن الجودة والاسعار المناسبة التي توفرها ورش ومتاجر باب البحر العريقة.
سر الصنعة وذكريات الاجداد في باب البحر
وبين البائعون ان الاستعداد للموسم يبدأ مبكرا جدا حيث تنطلق المصانع في تجهيز العرائس والحلوى تمهيدا لطرحها في الاسواق وسط اقبال كبير يعكس تمسك المصريين بعاداتهم الموروثة في الاحتفال بذكرى سيد الخلق عليه الصلاة والسلام.
واكد حسن الزغاط وهو بائع مخضرم امضى اكثر من خمسة عقود في المهنة ان الحفاظ على جودة الملبن يتطلب مهارة خاصة وصناديق زجاجية محمية من تقلبات الطقس لضمان وصول المنتج في افضل صورة ممكنة للزبائن.
واضاف ان المهنة رغم التحديات الاقتصادية لا تزال تمثل ارثا عائليا مقدسا لا يمكن التخلي عنه حيث يحرص التجار على توريث اسرار الصنعة لابنائهم لضمان استمرار هذا الطقس السنوي الذي يجمع بين التجارة والبركة.
رحلة العائلات المصرية نحو فرحة المولد
وكشفت الجولات الميدانية ان شراء حلوى المولد يتجاوز كونه عملية تجارية ليصبح طقسا اجتماعيا يجمع الاهل والاقارب في رحلة جماعية الى باب البحر وسط اجواء من البهجة والذكريات التي لا تنسى مهما مرت السنون.
وشددت سيدات مصريات على ان التوجه الى باب البحر يعد تقليدا سنويا لا غنى عنه لشراء الهدايا لابنائهن واحفادهن معتبرات ان الحلوى المشتراة من هذا المكان تحمل مذاق الاصالة والذكريات الجميلة التي تربط الاجيال ببعضها.
وبينت الروايات ان فرحة العائلات تكتمل باختيار اصناف الحلوى بعناية فائقة لتوزيعها على الاقارب والاصدقاء مما يعزز قيم التواصل الاجتماعي والترابط الاسري التي تتجلى بوضوح في هذه المناسبة الدينية العطرة التي ينتظرها الجميع كل عام.
عروسة المولد رمز الهوية المصرية الاصيلة
واظهرت المشاهد اقبالا لافتا على عروسة المولد التقليدية التي تصنع يدويا بقوالبها الصاج والوانها البسيطة التي تعيد الى الاذهان صورة الزمن الجميل بعيدا عن المنتجات الحديثة التي غزت الاسواق في الاونة الاخيرة.
واضاف الحرفيون ان سر تميز عروسة باب البحر يكمن في الحفاظ على شكلها التراثي بما في ذلك علم الملكية القديم الذي يزين فستانها الورقي مما يجعلها قطعة فنية نادرة يزداد الطلب عليها من كافة المحافظات.
واكد المصنعون ان العمل في تجهيز هذه العرائس يتطلب دقة فنية عالية في الرسم والتلوين وهو ما يمارسه حرفيون توارثوا المهنة عن آبائهم معتبرين ان الحفاظ على هذا التراث هو مسؤولية اخلاقية ووطنية تجاه التاريخ.
