يواجه طلاب يمنيون صعوبات بالغة في توثيق شهاداتهم الدراسية ما يهدد بضياع فرصهم في استكمال التعليم خارج البلاد. وتبرز قصة الطالبين طلال وحسام كنموذج لمعاناة آلاف الطلاب العالقين بين مطرقة الانقسام الإداري في قطاع التعليم. حيث اصطدمت محاولات توثيق أوراقهما المدرسية الصادرة من مناطق سيطرة الحوثيين بعقبات تقنية وإجرائية لدى وزارة التربية والتعليم في عدن.
واضافت عائلة الطالبين أن المعاملة التي كان يفترض أن تنتهي بإجراءات روتينية تحولت إلى أزمة معقدة. وبينت أن الوزارة المعترف بها دوليا لا تملك البيانات اللازمة للتحقق من صحة هذه الوثائق التعليمية الصادرة عن مدارس تقع في مناطق خارج نفوذها. مما دفع السلطات هناك إلى تعليق تعميد تلك الشهادات مؤقتا.
واكد مراقبون أن هذه القصة تكشف وجها مباشرا لانقسام أوسع في قطاع التعليم اليمني. وأوضحت أن وجود إدارتين للتعليم في صنعاء وعدن أدى إلى غياب المرجعية الموحدة للبيانات المدرسية. مما جعل الطالب يدفع ثمن الصراع السياسي الذي ألقى بظلاله على مستقبل جيل بأكمله.
بلد واحد ووزارتان وفراغ في السجلات
قال عارف ناجي علي مستشار وزارة التربية والتعليم في عدن إن المشكلة ليست في إلغاء الشهادات بل في غياب البيانات. وأوضح أن الوزارة حريصة على مصداقية الوثائق ولا يمكنها اعتماد شهادات لا تتوفر مرجعياتها للتأكد من هوية الطالب وسلامة مساره الدراسي. مشيرا إلى أن انقطاع التواصل الفني بين الجانبين حال دون التحقق من صحة الكثير من الوثائق المدرسية.
واضاف أن هذا الواقع يضع الطالب أمام مفارقة قاسية حيث يجد نفسه حاملا لشهادة دراسية لا تعترف بها الجهات الرسمية بسبب فجوة السجلات. وشدد على أن هذه الفجوة تزايدت حدتها مع سنوات الحرب التي عطلت نظام معلومات إدارة التعليم الشامل منذ سنوات طويلة.
وبينت تقارير دولية أن اليمن لم ينتج بيانات تعليمية وطنية موحدة منذ عام 2015. وأكدت أن الإحصاء الوطني الذي أُنجز مؤخرا لا يغطي بالضرورة الفجوات الفردية في سجلات الطلاب التي تظهر اليوم كعقبة أمام طموحاتهم الأكاديمية والمهنية في المستقبل.
جيل درس في منظومات مختلفة
كشف صالح قاسم نقيب المعلمين في عدن أن أزمة الشهادات ليست سوى مظهر لمشكلة أعمق تمس هوية ومستقبل الأجيال. وأوضح أن الانقسام التعليمي لم يعد إداريا فحسب بل امتد ليشمل المناهج وطرق الاختبارات والبيانات الشخصية للطلاب. مما يجعل انتقال الطالب بين مناطق السيطرة المختلفة أمرا في غاية الصعوبة والتعقيد.
واشار إلى أن نحو 12 دفعة طلابية تخرجت خلال سنوات الحرب في بيئات تعليمية متباينة. وأضاف أن الضرر يتجاوز التحصيل الدراسي ليصل إلى المفاهيم والثقافة التي يتشكل بها وعي الطالب. مؤكدا أن هذا التباين في المناهج يعمق الانقسام المجتمعي ويصعب من مهام إعادة بناء نظام تعليمي وطني مشترك في مرحلة ما بعد الحرب.
وأكدت دراسات متخصصة أن التحولات في المناهج التعليمية تساهم في تكريس واقع تعليمي منقسم. ومبينة أن استمرار هذه السياسات التعليمية المتباعدة قد يؤدي إلى خلق فجوات معرفية يصعب ردمها لاحقا بين أبناء الجيل الواحد في محافظات اليمن المختلفة.
عندما تحتاج الشهادة إلى عبور الحدود
أظهرت تجارب الطلاب الذين يحاولون السفر أن الأزمة تتفاقم خارج الحدود اليمنية. وأوضحت مؤسسات تعليمية دولية مثل "يوني أسيست" في ألمانيا أن الشهادات الثانوية الصادرة من مناطق خارج سيطرة الحكومة في عدن تُعامل كوثائق مشروطة. مما يضطر الطلاب للبحث عن بدائل معقدة للتصديق عبر السفارات لضمان قبولهم في الجامعات العالمية.
واضافت المعطيات أن هذا الوضع لا يقتصر على دول الغرب بل يمتد ليشمل دولا عربية أخرى. وأوضحت أن تعذر استكمال التصديقات الرسمية يضع مستقبل الطلاب في مأزق حقيقي لا علاقة له بمستواهم الدراسي. بل بمدى قدرة مؤسسات الدولة على التحقق من أوراقهم الثبوتية التي تاهت في خضم الانقسام السياسي.
وبينت حالة طلال وحسام أن العقبة الحقيقية تكمن في غياب التنسيق بين الجهات التعليمية. وأكدت أن طموحات الشباب في مواصلة تعليمهم أصبحت معلقة على قدرة أوراقهم المدرسية على تجاوز خطوط السيطرة والبيروقراطية التي تفرضها الأطراف المتصارعة على العملية التعليمية برمتها.
بين حق الطالب ومصداقية الشهادة
قال المسؤولون إن الوزارة تواجه تحديا مزدوجا بين حماية حق الطالب وتأمين مصداقية الشهادة الوطنية. وأوضحوا أن تعليق التعميد لا ينبغي أن يكون عقوبة للطلاب. داعين إلى إيجاد آلية قانونية وفنية عاجلة تسمح بالتحقق من وثائق الطلاب دون الانجرار إلى التجاذبات السياسية. مع التأكيد على ضرورة حياد التعليم.
واضاف عارف ناجي أن الحل يكمن في إنشاء آلية وطنية موحدة لتبادل بيانات الطلاب. وبين أن القضية في جوهرها تقنية وسجلية وليست سياسية. مؤكدا أن الطالب لا ينبغي أن يكون ضحية لهذا الانقسام المؤسسي الذي يهدد مساره التعليمي.
وختم المشهد بأن مستقبل طلال وحسام وغيرهما من الطلاب لا يزال ينتظر حلا ينهي معاناتهم. وأكد أن استقرار التعليم في اليمن مرهون بتجاوز هذه العقبات الإدارية التي تقف حائلا أمام طموحات جيل كامل يحلم بمستقبل أفضل بعيدا عن الانقسام.
