الرئيسية / منوعات
منوعات

كيف يغتال النظام الراسمالي صحتك النفسية في صمت؟

كيف يغتال النظام الراسمالي صحتك النفسية في صمت؟

في ظل عالم يحول كل تفاصيل حياتنا الى ارقام جامدة، يجد الانسان نفسه محاصرا داخل منظومة اقتصادية تعيد تشكيل وعيه بذاته، حيث اصبحت الصحة النفسية ضحية للبحث الدائم عن الانتاجية والنجاح المادي.

وتتحول الرغبة في التطور الى فخ يوقعه الكثيرون دون وعي، اذ تصبح الانتاجية المستمرة هي المعيار الوحيد للوجود، مما يؤدي بالضرورة الى ارتفاع معدلات القلق والاكتئاب وفقدان الشعور الحقيقي بالرضا والسكينة.

ويؤكد الخبراء ان الانسان تحول الى مجرد رقم ينتج ارقاما اخرى، وسط دوامة لا تنتهي من الضغوط النفسية التي تجعل الفرد يشعر دائما بعدم الكفاية او الارتياح رغم كل ما يحققه من انجازات.

افخاخ غير مرئية في حياتنا

وتشير الدراسات الحديثة الى ان الشعارات البراقة مثل طور ذاتك او استثمر في نفسك، باتت تشكل ضغطا نفسيا خفيا، حيث يحذر باحثون من ان هذه الدعوات تتحول الى فخاخ تستنزف الطاقة العقلية.

واضاف الباحث كريم بتاش ان هذه الازمة التي لا نطلق عليها اسما حقيقيا تكمن في سيكولوجية الراسمالية، التي تحول النفس البشرية الى مجرد سلعة قابلة للتطوير المستمر من اجل البقاء في السوق.

وبين ان هذا النمط يولد متلازمة الربح، حيث يشعر المرء بان اي لحظة توقف عن العمل او التطوير هي خسارة فادحة، مما يسبب احتراقا نفسيا مزمنا ينهك الروح ويقلل من جودة الحياة.

علاقاتنا رهينة منطق الاستثمار

واكد الباحثون ان اخطر مسارات الراسمالية هو انتقال لغة الاستثمار الى العلاقات الانسانية، اذ اصبحنا نحسب العائد من الصداقات، وننظر للالتزامات العائلية كاعباء تعيق تقدمنا الشخصي في مسارات العمل.

واشار المختصون الى ان هذا النهج ادى الى تآكل الروابط الاجتماعية الحقيقية، وتحول العلاقات الى نماذج نفعية هشة، مما ساهم بشكل مباشر في انتشار وباء العزلة الاجتماعية بين مختلف فئات المجتمع.

واوضح ان المنافسة الصفرية اصبحت هي القاعدة، حيث ينظر الزميل لزميله كتهديد بدلا من كونه شريكا، مما يقضي على التعاطف ويجعل النجاح مرتبطا بالتفوق على الاخرين بدلا من التعاون معهم.

خصخصة المعاناة وتحويلها لمرض

وكشفت دراسات حديثة ان النظام الراسمالي نجح في خصخصة المعاناة، اذ يتم تصوير المشاكل الناتجة عن ضغوط العمل كعيوب شخصية، مما يعمق الشعور بالذنب والدونية لدى الافراد الذين يعانون من هذه الظروف.

واضافت الدراسات ان الحلول المقترحة مثل دورات المرونة النفسية او التامل، تهدف الى جعل الفرد اكثر تكيفا مع النظام المختل، بدلا من معالجة الاسباب الحقيقية التي تؤدي الى القلق والاكتئاب والاحتراق.

وشددت الابحاث على ان ربط قيمة الانسان بما يملكه من نجاحات مادية، يعد من اكبر اسباب تعاسة البشر اليوم، حيث تؤكد البيانات ان اصحاب الاولويات المادية هم الاكثر عرضة للاكتئاب المزمن.

هل نحن مرضى ام ضحايا نظام؟

وبينت البروفيسورة جوانا مونكريف ان الطب النفسي التقليدي قد يكون جزءا من هذه المنظومة، حيث يتم التعامل مع القلق والاكتئاب كاختلال كيميائي في الدماغ، متجاهلين ظروف الفقر وعدم الاستقرار.

واكدت ان الكثير من الاضطرابات النفسية هي استجابة عقلانية لبيئة عمل سامة ومنافسة شرسة، وليست مجرد اعطال بيولوجية، مما يجعل التشخيص الطبي اداة لتسكين الالم بدلا من تغيير الواقع الاجتماعي.

واوضحت ان التوسع في وصف الادوية النفسية يساعد على استقرار النظام، عبر عزل الفرد عن سياقه الاجتماعي وتحميله مسؤولية بؤسه الشخصي، مما يمنع التفكير في حلول جماعية جذرية لهذه المشكلات.

كيف نتحرر من هذه الدائرة؟

واضاف الخبراء ان اولى خطوات التحرر تبدا باعادة تسمية معاناتنا كاستجابة طبيعية للواقع، وليس كمرض نفسي شخصي، مما يخفف من حدة الشعور بالذنب تجاه انفسنا وتجاه الاخرين من حولنا.

وبينت الدراسات ان تعزيز الروابط الاجتماعية العميقة والابتعاد عن منطق الحسابات في العلاقات، هو الترياق الحقيقي للوحدة، كما ان الانخراط في انشطة تطوعية غير ربحية يمنح الحياة معنى بعيدا عن الماديات.

وشددوا على ضرورة التوقف عن رؤية الذات كعلامة تجارية، والبحث عن بيئات عمل تهتم بالانسان كقيمة عليا، مع ادراك ان الفشل ليس نهاية العالم وان قيمتنا الحقيقية اكبر بكثير من ارقامنا.

مقالات ذات صلة