تشهد القرى الفلسطينية الواقعة شرقي مدينة جنين تغيرا جذريا في ملامحها الجغرافية والاقتصادية اثر عمليات هدم واسعة طالت عشرات المنشآت التجارية على طول الشارع الالتفافي الحيوي الذي يربط القرى بمركز المدينة.
واوضحت المعطيات الميدانية ان هذه الاجراءات تزامنت مع عودة التواجد الاسرائيلي في مستوطنات كانت قد اخليت سابقا. مما حول الشريان الاقتصادي الرئيسي للاهالي الى منطقة محفوفة بالمخاطر والقيود العسكرية المشددة.
وكشفت عمليات المسح الميداني عن استهداف متعمد للمشاريع التجارية التي اقامها المواطنون على اراضيهم الخاصة. حيث بات الوصول الى هذه المحال يخضع لتفتيش دقيق واغلاقات متكررة تعيق حركة المواطنين وتخنق الاقتصاد المحلي.
واقع مرير بلا مصدر رزق
واكد المواطن احمد عزامطة ان قوات الاحتلال لم تمنحه سوى دقائق معدودة لاخلاء متجره الذي يمثل مصدر رزق عائلته الوحيد. حيث دمرت الجرافات مشروعا استثماريا كلفه سنوات من العمل الشاق والمدخرات.
واضاف عزامطة ان هدم المقهى الخاص به لم يكن مجرد خسارة مادية للمنشأة. بل انهى فعليا مصدر دخل اربع عائلات كانت تعتمد على هذا العمل التجاري في تلبية احتياجاتها المعيشية اليومية الصعبة.
وبين ابو سامي ان صدمة اصحاب المحال كانت كبيرة بعد تسلمهم اخطارات الهدم المفاجئة. حيث يواجه اكثر من اربعين تاجرا مصيرا مجهولا بعد تدمير معظم منشآتهم بقرار عسكري يهدف لعزل القرى الشرقية.
قرار عسكري ينهي الاحلام
واشار المتضررون الى ان الخسائر تجاوزت المنشآت التجارية لتصل الى الاراضي الزراعية المحاذية. حيث منع الجيش المزارعين من الوصول الى مئات الدونمات من اراضيهم التي ورثوها عن اجدادهم منذ سنوات طويلة.
واوضح رئيس المجلس القروي ان جميع المحاولات القانونية والادارية لوقف قرارات الهدم باءت بالفشل. حيث ابلغت السلطات الاسرائيلية الاهالي بان ما يجري هو قرار عسكري نهائي لا يمكن التراجع عنه تحت اي ظرف.
وشدد المجلس على ان هدم ست وعشرين منشأة في قرية عابا وحدها تسبب في دفع عشرات العمال الى دائرة البطالة. مما يعكس حجم الكارثة الانسانية والاقتصادية التي حلت بمئات العائلات الفلسطينية نتيجة الهدم.
عزل تام للقرى الشرقية
واكد برهان عزامطة ان الجنود والمستوطنين يضيقون الخناق بشكل يومي على المتسوقين. مما حول الشارع الذي كان يوما ما شريان حياة الى منطقة موحشة يخشى الاهالي عبورها بسبب التواجد العسكري الكثيف والمستمر.
واضاف ان التوسع الاستيطاني بات يهدد بعزل القرى كليا عن محيطها الجغرافي. مما يثير مخاوف حقيقية لدى المزارعين من فقدان قدرتهم على الوصول الى حقول الزيتون خلال الموسم الزراعي القريب القادم.
وبين ان المنطقة فقدت حيويتها التجارية المعهودة وتحولت الى بؤرة توتر امني. حيث يفرض الاحتلال سياسة الامر الواقع لمنع اي تواصل طبيعي بين القرى الفلسطينية ومدينة جنين لفرض واقع ديموغرافي جديد.
مخطط استيطاني واسع النطاق
واوضح الناشط مفيد جلغوم ان هذه العمليات تندرج ضمن مخطط استيطاني شمال الضفة الغربية يهدف لاعادة احياء مستوطنات اخليت سابقا. حيث تم رصد ميزانيات ضخمة لتعزيز هذا التواجد الاستيطاني على حساب الاراضي الفلسطينية.
واضاف جلغوم ان المؤشرات على الارض تؤكد نية الاحتلال انشاء مواقع عسكرية دائمة لحماية المستوطنين. وهو ما يفسر اصرار السلطات على اخلاء جانبي الشارع الالتفافي من اي نشاط فلسطيني بشكل نهائي.
واكد ان ما يجري اليوم يعيد الى الاذهان مأساة النكبة. حيث يصر الفلسطينيون رغم كل الضغوط على التمسك بارضهم ورفض مخططات التهجير التي تهدف لافراغ المنطقة من سكانها الاصليين لصالح الاستيطان.
الخيار الصعب والصمود
واوضح جلغوم ان الاحتلال يمارس ضغوطا نفسية واقتصادية لدفع الاهالي نحو الهجرة الطوعية. لكن اصرار الفلسطينيين على البقاء يشكل حائط صد منيعا امام كافة محاولات الترحيل والتضييق التي تمارسها سلطات الاحتلال.
واضاف ان الصمود في وجه هذه المخططات بات خيارا وجوديا لا تراجع عنه. حيث يدرك السكان ان ترك الارض يعني ضياعها الابدي لصالح المشاريع الاستيطانية التي تلتهم الاخضر واليابس في الضفة.
وبين ان السياسة الممنهجة التي تتبعها القوات الاسرائيلية لا تقتصر على جنين. بل تمتد لتشمل مناطق واسعة من شمال الضفة الغربية لفرض واقع استيطاني جديد يقطع اوصال المدن والقرى الفلسطينية بشكل كامل.
