هل تجد نفسك عالقا في دوامة من التفكير المستمر حول مواقف قديمة انتهت منذ زمن بعيد؟ غالبا ما يجد الكثيرون انفسهم يسترجعون محادثات او اخطاء سابقة يتمنون لو تغيرت احداثها بشكل مختلف تماما.
واوضح المختصون ان هذه الحالة تعرف باجترار الذكريات وهي نمط من القلق الخفي الذي يجعلك تعيش في الماضي بدلا من التفاعل مع واقعك الحالي مما يسبب لك شعورا بالتوتر وعدم القدرة على المضي.
وبينت الابحاث ان العقل البشري يميل لتكرار هذه الافكار كنوع من الحماية الذاتية ظنا منه ان استعادة الاحداث ستمنع وقوعها مستقبلا رغم ان ذلك لا يؤدي سوى لمزيد من النقد الذاتي القاسي.
كيف يتسلل التعلق بالماضي الى حياتك اليومية؟
واضاف الخبراء ان هذا التعلق لا يظهر دائما بشكل واضح بل يتخفى خلف سلوكيات يومية مثل تحليل المحادثات القديمة او مقارنة الذات بنسخة مثالية سابقة او حتى تجنب الفرص الجديدة خوفا من الفشل.
واكدت الدراسات ان هذا النمط يعمل كجهاز عرض داخلي يعيد المشاهد المؤلمة باستمرار بينما يحاول العقل جاهدا فهم ما حدث وبناء شعور وهمي بالسيطرة على المستقبل لتجنب اي ضرر عاطفي جديد محتمل.
واشار الباحثون الى ان الشخص يجد نفسه اسيرا لهذه الافكار التي تمنعه من الاستمتاع بلحظات الهدوء حيث يجد عقله متسعا من الوقت للعودة الى تلك الملفات القديمة التي تثير الندم والخجل في النفوس.
متى يشتد حضور الذكريات المؤلمة؟
وبينت الملاحظات النفسية ان استحضار الماضي يزداد قوة في فترات الهدوء او عند التعرض لضغوط حياتية كبيرة او حتى بعد الخلافات الحادة حيث يبحث الدماغ عن انماط تفسر سبب شعورنا بالسوء دائما.
وكشفت التحليلات ان المناسبات السنوية ومحطات الحياة الهامة والارهاق الجسدي تعتبر بيئة خصبة لنمو هذه الافكار السلبية التي تجعل الشخص يشعر وكأن الجرح لا يزال طازجا رغم مرور سنوات طويلة على حدوثه فعليا.
واوضحت التقارير ان اجترار الماضي في هذه اللحظات يتحول بسهولة من محاولة لتفادي الاخطاء الى عملية جلد ذاتي مستمرة تنشط الجروح القديمة وتمنع الشخص من رؤية الفرص المتاحة امامه في الوقت الحالي.
كيف تقلل تاثير الماضي في حاضرك؟
وشدد خبراء العلاج السلوكي على اهمية الوعي بما يدور في عقلك في اللحظة التي تبدأ فيها باسترجاع الاحداث حيث يجب ان تذكر نفسك بان ما تفكر فيه هو مجرد ذكرى وليس واقعا.
واضافوا انه من الضروري مراجعة القصة التي ترويها لنفسك حول ما حدث وسؤال الذات هل هذا التفسير هو الوحيد وهل يمكن رؤية الموقف من زاوية اكثر رحمة واقل قسوة على النفس.
وبينت التجارب ان مسامحة الذات والاعتراف بانك تصرفت وفقا لما كان متاحا لك من معرفة وخبرة في ذلك الوقت يعد خطوة حاسمة لتقليل قبضة القلق المرتبط بالماضي على قراراتك الحالية.
المضي قدما بتعاطف مع الذات
واكد الباحثون ان العودة الى الحواس عبر ملاحظة ما يحيط بك من اصوات وروائح ودرجة حرارة المكان تساهم بشكل فعال في سحب عقلك من سجن الذكريات واعادته الى اللحظة الحالية الملموسة.
واضافوا ان تدوين الفرق بين شخصيتك في الماضي وشخصيتك اليوم يساعدك على ادراك حجم النمو الذي حققته مما يقلل من حدة الندم ويمنحك شعورا بالثقة في قدرتك على مواجهة تحديات المستقبل.
وختم المختصون بان السلام النفسي لا يتحقق بمحو الماضي بل بفهمه والتعلم منه بوعي ثم السماح لنفسك بالتحرر من ثقله لتبدا باستثمار طاقتك في بناء حاضر مشرق وواقعي ومفعم بالفرص الحقيقية.
