أحداث المملكة _ فايز الشاقلدي
لم يعد السؤال في الأردن ما إذا كان التعليم يحتاج إلى إصلاح جديد، بل أصبح السؤال الأكثر عمقاً: من يملك حق الحكم على جودة التعليم، وبأي معايير، وبأي درجة من الاستقلال؟
من هذه الزاوية تحديداً، ينبغي قراءة إقرار مجلس النواب مشروع قانون هيئة الاعتماد وضمان الجودة لسنة 2026، بعد إدخال عدد من التعديلات عليه، باعتباره أكثر من مجرد تشريع يعيد ترتيب الصلاحيات بين مؤسسات الدولة. فالقانون، في جوهره، يقترب من واحدة من أكثر القضايا حساسية في الدولة الحديثة: من يضع معيار الجودة، ومن يراقب الالتزام به، ومن يمنح المؤسسة التعليمية أو البرنامج التدريبي شهادة الثقة التي يفترض أن تنتقل لاحقاً إلى الطالب وسوق العمل والمجتمع.
وبأغلبية الأصوات، أقر المجلس المواد من السابعة حتى الثانية والعشرين، بعد أن كان قد أقر في جلسة سابقة المواد من الأولى حتى السادسة، فيما رفض الأخذ باقتراح اللجنة النيابية المتعلق بإلغاء عبارة «لمرة واحدة» من مدة رئاسة وعضوية مجلس الهيئة. وفي المقابل، أدخل المجلس تعديلات أخرى ذات دلالة، من بينها إلزام الهيئة بإعداد ونشر تقرير كل سنتين حول واقع التعليم والتدريب في المملكة، وتشديد قواعد تضارب المصالح على رئيس وأعضاء مجلس الهيئة وأزواجهم وأقاربهم حتى الدرجة الأولى.
هذه التفاصيل التشريعية، وإن بدت للوهلة الأولى إجرائية، تخفي وراءها سؤالاً أكبر بكثير: هل يستطيع الأردن أن ينتقل من إدارة التعليم إلى إدارة جودة التعليم؟
من تعدد المرجعيات إلى مرجعية وطنية واحدة
القانون الجديد يوسع نطاق عمل الهيئة بصورة لافتة، بحيث لا تبقى قضية الاعتماد وضمان الجودة محصورة في مؤسسات التعليم العالي، بل تمتد إلى التعليم العام بمختلف أشكاله، بما في ذلك المدارس الحكومية والخاصة ورياض الأطفال، فضلاً عن مؤسسات التعليم والتدريب المهني والتقني.
وهذا التحول ليس مجرد توسع في الاختصاصات، بل محاولة لإعادة بناء المنظومة التعليمية حول مفهوم واحد هو «الجودة». فبدلاً من أن تكون المدرسة في مسار، والجامعة في مسار آخر، ومؤسسات التدريب المهني في مسار ثالث، يتجه القانون نحو وضع هذه الحلقات ضمن مرجعية وطنية أكثر تكاملاً.
المغزى الحقيقي هنا أن الدولة لم تعد تنظر إلى التعليم باعتباره مراحل منفصلة، وإنما باعتباره سلسلة متصلة تبدأ من الطفولة ولا تنتهي عند الحصول على الشهادة، بل تمتد إلى المهارة ثم إلى المهنة وسوق العمل.
غير أن توحيد المرجعية لا يعني بالضرورة توحيد الجودة. فالهيئة تستطيع أن تضع المعايير، لكن الاختبار الأصعب سيكون في قدرتها على تطبيق هذه المعايير بعدالة واتساق على مؤسسة صغيرة أو كبيرة، حكومية أو خاصة، وعلى جامعة عريقة أو مؤسسة حديثة التأسيس.
وهنا تحديداً تبدأ المسؤولية الثقيلة للهيئة.
صلاحيات واسعة… واستقلال يجب أن يكون أوسع
كلما اتسعت صلاحيات الجهة الرقابية، ازدادت الحاجة إلى ضمان استقلالها.
وهذه قاعدة أساسية في عمل مؤسسات الاعتماد حول العالم. فالهيئة التي تستطيع تقييم المؤسسة التعليمية، والحكم على جودة برامجها، والاعتراف بمؤهلاتها، والتأثير في سمعتها الأكاديمية والمهنية، تصبح لاعباً رئيسياً في سوق التعليم، لا مجرد جهاز إداري تابع لمنظومة بيروقراطية.
ولهذا فإن تحديد مدة رئاسة وعضوية مجلس الهيئة بأربع سنوات قابلة للتجديد لمرة واحدة يكتسب أهمية تتجاوز النص ذاته. فمدة الولاية وطريقة التجديد يمكن أن تؤثرا في درجة الاستقلال التي يتمتع بها صاحب القرار، خصوصاً عندما تكون المؤسسة التي يرأسها مسؤولة عن قرارات قد تكون لها آثار مباشرة على جامعات ومدارس ومراكز تدريب ومؤسسات تعليمية.
السؤال هنا ليس فقط: كم سنة سيبقى رئيس الهيئة في موقعه؟ وإنما: ما هي معايير اختياره؟ كيف تتم مساءلته؟ كيف يجري تقييم أدائه؟ ومن يملك قرار التجديد؟ وهل تستطيع الهيئة أن تتخذ قراراً غير مريح سياسياً أو مؤسسياً عندما تقتضي معايير الجودة ذلك؟
هذه الأسئلة لا يجيب عنها النص القانوني وحده، وإنما تحددها لاحقاً الممارسة المؤسسية.
تضارب المصالح… الاختبار الأخلاقي للقانون
من أكثر المواد دلالة في القانون إقرار حظر على رئيس وأعضاء مجلس الهيئة وأزواجهم وأقاربهم حتى الدرجة الأولى، بحيث لا يكونون مالكين أو مساهمين في المؤسسات التعليمية أو مؤسسات التدريب المهني والتقني أو مؤسسات التعليم العالي الأردنية أو الأجنبية العاملة في المملكة.
هذه المادة تستحق اهتماماً خاصاً، لأنها تمس جوهر الثقة بأي نظام للاعتماد.
فلا يمكن أن تكون الجهة التي تمنح الاعتماد أو تراقب الجودة مرتبطة بمصالح مالية مباشرة مع الجهات التي تخضع لرقابتها. ولذلك فإن تشديد قواعد تضارب المصالح يمثل خطوة أساسية نحو حماية استقلال القرار.
لكن النص وحده لا يكفي.
القواعد الحقيقية للنزاهة تبدأ من الإفصاح الكامل عن المصالح، ولا تنتهي عند الحظر. وتحتاج كذلك إلى إجراءات واضحة للتنحي عن القرارات عند وجود تضارب، وإلى آليات للتحقق من الالتزام، وإلى نشر المعلومات التي تسمح للرأي العام والقطاع التعليمي بمعرفة أن القرار اتخذ على أساس مهني لا على أساس علاقة أو نفوذ أو مصلحة.
في مؤسسات الاعتماد، الثقة ليست تفصيلاً مكملاً للقانون؛ إنها جزء من القانون نفسه.
التقرير كل سنتين… من يكتب الصورة الحقيقية للتعليم؟
ومن أكثر التعديلات أهمية إضافة مهمة جديدة للهيئة تتمثل في إعداد ونشر تقرير كل سنتين حول واقع التعليم والتدريب في المملكة بعد إقراره من مجلس الهيئة.
وقد تبدو هذه المادة إدارية، لكنها قد تتحول إلى واحدة من أهم أدوات الإصلاح إذا جرى تطبيقها بصورة مهنية مستقلة.
فالأردن يحتاج إلى أكثر من بيانات متفرقة وتقارير مؤسسية منفصلة. يحتاج إلى صورة وطنية دورية تقول بوضوح: أين يقف التعليم؟ ما الذي يتحسن؟ أين تتراجع الجودة؟ ما البرامج التي يحتاجها الاقتصاد؟ أين تتسع الفجوة بين التعليم وسوق العمل؟ وما المؤسسات أو القطاعات التي تحتاج إلى تدخل عاجل؟
التقرير الدوري يمكن، إذا أُنجز بشفافية، أن يتحول إلى «مرآة» وطنية للتعليم.
لكن الخطر يكمن في أن يتحول التقرير إلى وثيقة احتفالية أخرى، تعيد إنتاج اللغة الرسمية حول الإنجازات، بدلاً من أن تكشف مواطن الخلل.
القيمة الحقيقية للتقرير ستكون في قدرته على قول ما قد لا ترغب بعض المؤسسات في سماعه، وفي تقديم بيانات قابلة للمقارنة، ومؤشرات يمكن قياسها عبر الزمن، ونتائج تساعد الحكومة والبرلمان والجامعات وأصحاب العمل والطلبة على فهم حقيقة الوضع التعليمي.
الشهادة وحدها لم تعد كافية
في قلب القانون سؤال آخر لا يقل أهمية: ماذا تعني الشهادة الأردنية فعلياً؟
لقد تغير سوق العمل العالمي. ولم تعد قيمة المؤهل تقاس فقط باسم الجامعة أو بعدد سنوات الدراسة أو بالمسمى الأكاديمي للبرنامج. أصبح السؤال أكثر مباشرة: ماذا يستطيع حامل هذا المؤهل أن يفعل؟
وهنا يلتقي قانون الاعتماد وضمان الجودة مع مشروع قانون تنظيم العمل المهني؛ إذ يتعامل الأخير مع ترخيص مزودي خدمات التدريب المهني ومزاولة المهنة والاعتمادية للمدربين، بينما يركز قانون الاعتماد على جودة البرامج والرقابة عليها ومواءمتها مع متطلبات سوق العمل.
وهذا التكامل يمكن أن يكون مهماً جداً إذا تحول إلى منظومة متماسكة، لأن المشكلة ليست في وجود شهادات كثيرة، بل في وجود فجوة بين الشهادة والمهارة.
فالاقتصاد لا يحتاج إلى خريج يحمل ورقة فقط، وإنما إلى شخص يمتلك المعرفة والمهارة والقدرة على استخدامها.
ومن هنا، فإن نجاح القانون سيقاس بقدرته على نقل مفهوم الجودة من «المدخلات» إلى «النتائج»: ليس فقط عدد أعضاء هيئة التدريس، أو مساحة المباني، أو عدد المختبرات، وإنما ما الذي تعلمه الطالب فعلاً، وما الذي يستطيع القيام به بعد التخرج.
الاعتراف بالمؤهلات… معركة الثقة خارج الحدود
القانون يمنح الهيئة كذلك صلاحيات واسعة في مجال الاعتراف بالمؤسسات التعليمية غير الأردنية، ومعادلة الشهادات والمؤهلات الصادرة عنها، وتصديق الوثائق والمؤهلات داخل المملكة وخارجها.
وهذه الصلاحيات تضع الهيئة أمام مسؤولية تتجاوز الحدود المحلية.
فالمؤهل الأردني يعيش اليوم في سوق عالمي للمواهب. والخريج الأردني لا ينافس فقط داخل المملكة، بل قد ينافس في الخليج وأوروبا وأمريكا الشمالية وآسيا، كما أن المؤسسات التعليمية الأردنية تتنافس مع جامعات إقليمية ودولية على الطلبة والسمعة والشراكات.
ولذلك فإن بناء نظام وطني موثوق للاعتماد يمكن أن يرفع قيمة المؤهل الأردني، لكن ذلك لن يتحقق بمجرد إصدار القانون.
الاعتراف الدولي لا يُمنح للنصوص، وإنما للمؤسسات التي تثبت أن معاييرها وإجراءاتها وقراراتها يمكن الوثوق بها.
وهنا تصبح سمعة الهيئة نفسها جزءاً من سمعة التعليم الأردني.
من «ثقافة التفتيش» إلى «ثقافة التحسين»
أخطر ما يمكن أن يحدث للقانون هو أن تتحول الجودة إلى بيروقراطية جديدة.
فإذا أصبح الاعتماد مجموعة من النماذج والملفات والزيارات واللجان، فقد تنجح المؤسسات في اجتياز متطلبات الاعتماد دون أن يحدث تغيير جوهري داخل الصف أو المختبر أو قاعة المحاضرات.
أما إذا أصبح الاعتماد أداة للتحسين المستمر، فإن المعادلة تتغير بالكامل.
المؤسسة التعليمية الجيدة ليست التي تعرف كيف تستعد لزيارة فريق التقييم، وإنما التي تمتلك نظاماً داخلياً يجعل تحسين الأداء جزءاً من عملها اليومي.
وهنا يجب أن يكون دور الهيئة أعمق من منح شهادة «معتمد» أو «غير معتمد». يجب أن تساعد المنظومة التعليمية على معرفة نقاط الضعف، وقياس التحسن، ومقارنة الأداء، وربط الجودة بمخرجات التعلم وبالنتائج الفعلية للخريجين.
فالاعتماد الحقيقي لا ينبغي أن يكون لحظة زمنية تزور فيها لجنة المؤسسة، وإنما عملية مستمرة تقيس قدرة المؤسسة على تحسين نفسها.
القانون يضع الدولة أمام امتحان التنفيذ
إقرار القانون هو بداية الطريق، وليس نهايته.
فالاختبار الحقيقي لن يكون في عدد المواد التي أقرها مجلس النواب، وإنما في اللوائح والتعليمات التي ستصدر لاحقاً، وفي المعايير التي ستعتمدها الهيئة، وفي آليات التقييم، وفي طريقة اختيار المقيمين، وفي شفافية القرارات، وفي قدرة الهيئة على مقاومة الضغوط عندما تتعارض المصالح مع معايير الجودة.
وستحتاج الهيئة، لكي تنجح، إلى كوادر ذات خبرة حقيقية في القياس والتقويم والاعتماد، وإلى بيانات موثوقة، وإلى أدوات حديثة لقياس مخرجات التعليم، وإلى قدرة على التعامل مع الاختلاف الكبير بين مدرسة ورياض أطفال وجامعة ومركز تدريب مهني.
كما ستحتاج إلى علاقة مختلفة مع المؤسسات التعليمية؛ علاقة لا تقوم فقط على الرقابة والعقوبة، وإنما على وضع معيار واضح ثم مساعدة المؤسسة على الوصول إليه، مع الحفاظ في الوقت ذاته على صرامة الاستقلال والموضوعية.
المعركة الحقيقية تبدأ بعد التصويت
قد يكون إقرار قانون هيئة الاعتماد وضمان الجودة أحد أهم التحولات التشريعية في مسار إصلاح التعليم الأردني خلال السنوات الأخيرة، لكنه لن يصبح كذلك تلقائياً.
فالأردن يستطيع أن ينشئ هيئة قوية على الورق، وأن يمنحها صلاحيات واسعة، وأن يضع قواعد لتضارب المصالح، وأن يلزمها بإصدار تقارير دورية، وأن يوحد مرجعية الاعتماد.
لكن كل ذلك لن يغير واقع طالب واحد ما لم ينتقل أثر القانون إلى الصف، والجامعة، ومركز التدريب، ثم إلى سوق العمل.
الجودة لا تُقاس بعدد المؤسسات التي حصلت على الاعتماد، وإنما بما يحدث للطالب بعد مغادرته المؤسسة التعليمية.
هل يمتلك معرفة حقيقية؟ هل يستطيع تطبيقها؟ هل يمتلك المهارات التي يحتاجها سوق العمل؟ هل يثق صاحب العمل بمؤهله؟ وهل تستطيع مؤسسة تعليمية أو شركة خارج الأردن أن تفهم فوراً مستوى هذا المؤهل وقيمته؟
إذا استطاع القانون الإجابة عن هذه الأسئلة، فلن يكون الأردن قد أنشأ هيئة اعتماد جديدة فحسب، بل سيكون قد بدأ ببناء نظام ثقة وطني في التعليم والمؤهلات والمهارات.
أما إذا بقيت الجودة محصورة في الملفات والنماذج والإجراءات، فإن التغيير سيكون في بنية المؤسسات أكثر منه في جوهر التعليم.
ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يرافق تطبيق القانون منذ يومه الأول ليس: هل المؤسسة التعليمية معتمدة؟
بل السؤال الأكثر أهمية: ماذا يعني اعتمادها فعلياً للطالب، ولصاحب العمل، وللمجتمع، ولسمعة التعليم الأردني في العالم؟
هناك، تحديداً، سيظهر ما إذا كان القانون قد غيّر قواعد اللعبة فعلاً، أم أنه اكتفى بإعادة توزيع أدوارها.
