العجلوني: شعار الحملة " كوني بخير " يتحول من مجرد كلمات الى دعوة للاهتمام بالصحة والكشف المبكر قبل ظهور الاعراض
الناجية صوالحة : «كوني بخير» يجب ألا يكون مجرد شعار لشهر واحد، بل أسلوب حياة
أحداث المملكة- هبه ياسين- «شو ممكن يكون أسوأ شي؟ سرطان؟» كان هذا السؤال الذي طرحته رشا صوالحة على الطبيبة قبل أن تسمع نتيجة فحوصاتها. ذهبت وحدها لتستلم النتيجة، وكانت تعرف أن احتمال الإصابة موجود، لكنها لم تكن تعرف أن تلك اللحظة ستقسم حياتها إلى ما قبل التشخيص وما بعده.
عام 2023، شُخّصت صوالحة بسرطان الثدي وهي في الرابعة والثلاثين من عمرها. لم يكن المرض بعيدًا عن عائلتها؛ فوالدتها كانت قد أصيبت بسرطان الثدي، وخلال فترة علاجها قررت رشا إجراء فحص للجينات، لتكتشف أنها تحمل جينًا يزيد من خطر الإصابة بالمرض.
منذ ذلك الوقت، أصبحت الفحوصات الدورية جزءًا من حياتها. بدأت في سن الثلاثين بمتابعة الكشف المبكر في مركز الحسين للسرطان، وكانت ملتزمة بالفحوصات عامًا بعد عام.
لكن خلال حملها بطفلها الثالث، توقفت عن إجراء الماموغرام، ثم استمر توقف الفحوصات خلال فترة الرضاعة لنحو عام ونصف تقريبًا.
بعد ذلك، شعرت بكتلة تحت الإبط.
بدأت رحلة البحث عن السبب، وخضعت للفحوصات والخزعات، إلى أن اكتشف الأطباء وجود كتلة في الثدي، وجاء التشخيص: سرطان.
تتذكر صوالحة تلك اللحظة باعتبارها واحدة من أصعب اللحظات في حياتها. فعندما يسمع الإنسان كلمة «سرطان»، تبدأ الأسئلة بالظهور دفعة واحدة: ماذا سيحدث لحياتي؟ كيف سأتعامل مع المرض؟ وماذا عن عائلتي وأطفالي؟
لكنها قررت منذ البداية ألا تسمح للمرض بأن يعرّفها.
أخبرت عائلتها أنها لا تريد أن تشعر بأنها مريضة، وأنها تريد أن تعيش حياتها بصورة طبيعية قدر الإمكان. خضعت للعلاج الكيماوي والمناعي والإشعاعي، وأجرت عملية استئصال وعمليات وقائية، ومرت بمراحل صعبة نفسيًا واجتماعيًا، إلى جانب رحلة العلاج.
وتقول إن الإيمان ودعم أهلها والمقربين منها، إلى جانب الإرادة والعزيمة، ساعدوها على تجاوز المرحلة.
اليوم، تنظر رشا إلى تجربتها بطريقة مختلفة. فالسرطان، كما تقول، كان نقطة تحول في حياتها؛ أعاد ترتيب أولوياتها، وجعلها أكثر اهتمامًا بنفسها وامتنانًا لكل لحظة تعيشها.
وبعد التعافي، بدأت تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي لنشر رسائل التوعية حول الصحة والوعي بالذات وتطويرها، وتشجيع النساء على إجراء فحوصاتهن وعدم إهمال صحتهن.
بالنسبة إليها، لم تعد تجربتها مجرد مرحلة انتهت، بل أصبحت رسالة تحاول أن تصل من خلالها إلى نساء أخريات.
من تجربة ناجية إلى رسالة حملة
تلتقي قصة رشا مع الرسالة التي تحملها حملة شهر تشرين الأول لهذا العام تحت شعار «كوني بخير».
وتوضح الدكتورة ريم العجلوني، مديرة البرنامج الأردني لسرطان الثدي، أن الحملة هذا العام تسعى إلى الذهاب أبعد من التوعية التقليدية، بعد سنوات طويلة من الحديث عن سرطان الثدي وأهمية الكشف المبكر.
فالتحدي اليوم، بحسب العجلوني، لم يعد فقط في أن تعرف المرأة أن الكشف المبكر مهم، وإنما في أن تتحول هذه المعرفة إلى ممارسة وسلوك صحي منتظم.
أن تعرف المرأة متى تفحص، وأين تجد الخدمة، ثم تتخذ الخطوة التالية وتحجز فحصها.
وتأتي الحملة ضمن الجهود الوطنية المستمرة التي يقودها البرنامج الأردني لسرطان الثدي، بقيادة مؤسسة ومركز الحسين للسرطان، وبالتعاون مع وزارة الصحة وشركاء من مختلف القطاعات.
وتحمل «كوني بخير» رسالة بسيطة: لا تنتظري ظهور الأعراض حتى تهتمي بصحتك.
فالفحص الدوري، كما توضح العجلوني، جزء من العناية بالنفس، وليس إجراءً يجب انتظار ظهور مشكلة صحية للقيام به.
الكشف المبكر قبل ظهور الأعراض
تؤكد العجلوني أن اكتشاف سرطان الثدي في مرحلة مبكرة يمكن أن يغير مسار المرض بصورة كبيرة، إذ تكون فرص النجاة مرتفعة جدًا عند اكتشافه مبكرًا، كما تكون خيارات العلاج عادة أكثر وأقل تعقيدًا وأقل تكلفة مقارنة بتشخيص المرض في مراحل متقدمة.
وتشدد على أن الكشف المبكر مخصص أساسًا للسيدات اللواتي لا توجد لديهن أعراض.
أما ظهور كتلة أو ألم أو أي تغير غير طبيعي في الثدي، فيعني ضرورة مراجعة الطبيب للتقييم والتشخيص، وليس انتظار موعد الفحص الدوري.
وفي الأردن، تتوفر خدمات الكشف المبكر في مرافق وزارة الصحة، ومركز الحسين للسرطان، والخدمات الطبية الملكية، والمستشفيات الجامعية، إضافة إلى عدد من مستشفيات ومراكز القطاع الخاص.
كما تصل عيادات الماموغرام المتنقلة التابعة للبرنامج الأردني لسرطان الثدي إلى عدد من المناطق الأقل وصولًا للخدمة، فيما تتوسع خلال فترة الحملة المبادرات والخدمات المدعومة بالتعاون مع الشركاء.
وتشجع العجلوني كل سيدة على معرفة توصيات الفحص المناسبة لعمرها وعوامل الخطورة لديها، والتواصل مع البرنامج الأردني لسرطان الثدي لمعرفة الخدمة الأنسب والأقرب إليها.
عندما تتحول التوعية إلى قرار
لا تقتصر حملة «كوني بخير» على المحاضرات والرسائل الإعلامية، بل تشمل أنشطة في مختلف محافظات المملكة، وفعاليات مجتمعية وتوعوية، وجلسات تفاعلية، إلى جانب الأنشطة الإعلامية والرقمية.
كما تتجه الحملة إلى طرق أكثر تفاعلًا، من بينها المسرح والكوميديا والأنشطة المجتمعية، لمناقشة المخاوف والمفاهيم الخاطئة بطريقة أقرب إلى الناس.
لكن بالنسبة للعجلوني، لا يقاس نجاح التوعية بعدد الأشخاص الذين وصلت إليهم الرسائل فقط، بل بقدرتها على تغيير السلوك.
السؤال الأهم هو: هل دفعت الرسالة امرأة إلى اتخاذ خطوة فعلية؟
أن تحجز فحصها، أو تشجع أمها أو أختها أو صديقتها، أو أن تسهّل مؤسسة ما وصول موظفاتها إلى الخدمة.
فبالنسبة للحملة، أن تتحول الرسالة إلى قرار صحي حقيقي لدى امرأة واحدة أهم من أن تبقى مجرد منشور أو شعار يتم تداوله خلال شهر تشرين الأول.
«كوني بخير».. أكثر من شعار
بالنسبة لرشا، يحمل شعار الحملة معنى شخصيًا. فهي ترى أن «كوني بخير» يجب ألا يكون مجرد شعار لشهر واحد، بل أسلوب حياة؛ أن تهتم المرأة بنفسها، وأن تحب نفسها، وأن تضع صحتها ضمن أولوياتها.
وتريد من النساء ألا يسمحْن للخوف أو التردد بتأجيل الفحص، لأن الخوف من النتيجة لا يلغي أهمية معرفتها.
أما الدكتورة ريم، فتختصر رسالتها للمرأة الأردنية بالدعوة إلى عدم انتظار الأعراض حتى تهتم بصحتها؛ فالكشف المبكر إجراء استباقي للمرأة التي تشعر بأنها بخير، حتى تبقى بخير.
وبعد تجربة العلاج والتعافي، أصبحت رشا تنظر إلى حياتها بطريقة مختلفة. تقول إن السرطان غيّرها، وأعاد ترتيب أولوياتها، وجعلها أكثر امتنانًا لكل لحظة تعيشها.
ومن امرأة واجهت المرض، أصبحت اليوم تحمل رسالة للنساء اللواتي قد يخشين حتى فكرة الفحص.
رسالة بسيطة، لكنها قد تكون بداية قرار مهم:
لا تهملي نفسك، لا تؤجلي فحوصاتك، ولا تنتظري ظهور الأعراض حتى تهتمي بصحتك. كوني بخير.
