أحداث المملكة – رسمي الجراح
من كان يتخيّل أن بيتًا يحمل عنوان «خمسة ألف على خمس وخمسين» في بغداد سيحطّ بذاكرته ومقتنياته في عمّان بعد عقود، وقد طاف أهله بالبلاد العربية والمنافي، حاملين معهم ذاكرتهم بكلّ صنوفها؟
كان بيتًا للعائلة في أربعينيات القرن الماضي، واليوم يستعيد حضوره في متحف يكشف عن كنوز ثقافية وفنية حفظها أصحابه، وعن حكاياتهم وصلاتهم بعالم الفكر،والسياسة والفن والأدب. إنّه بيت عائلة المفكّر العروبي ساطع الحصري، الذي تُروى سيرته وسيرة عائلته عبر ما تركوه من مقتنيات،واعمال فنيةووثائق وصور.
بات متحف «خمسة ألف على خمس وخمسين» في جبل عمّان بيتًا متحفيًّا يحتفظ بتلك الحميمية، من تصميم وتنسيق المهندسة المعمارية والفنانة التشكيلية آردا أصلانيان. وقد وجدت في هذا البيت العمّاني العريق ما يستحضر البيت البغدادي، بأرضياته المزخرفة وتصميمه الداخلي الحميم. ومنحت المكان هوية غير تقليدية، وقدّمته مساحةً فنية وثقافية للمدينة، مع الحفاظ على الهوية المعمارية للبيت العمّاني وخصوصيته، ودون أن تطغى السيرة الشخصية أو العائلية على حضوره، مع الحفاظ على تاريخ العائلة ومسيرتها الفكرية والنضالية،وإسهاماتها الثقافية، والفنية والتربوية.
ارتأت آردا أصلانيان أن يحمل المتحف اسم «خمسة ألف على خمس وخمسين»، بعيدًا عن التسميات المألوفة أو المرتبطة مباشرةً بأسماء أفراد العائلة. فالاسم يثير الفضول ويدعو إلى التساؤل عن قصته، فيما يعود أصله إلى عنوان بيت عائلة الكيلاني في بغداد. ومن ذلك العنوان، يستحضر المتحف في عمّان ذاكرة البيت وأهله، وما احتضنه من حكايات ومقتنيات عبر السنين.
يقدم متحف «خمسة ألف على خمس وخمسين»السيرة العائلية بطريقة سلسة، عبر لوحة بانورامية بالاسود والابيض في الغرفة الاولى باللغتين العربية والانجليزية مقرونة بالصور وبسرد انيق وواضح يقف المتلقّي امامها وكأنه يطل من نافذة على التاريخ للشخصيتين:المفكر القومي ساطع الحصري والسياسي العراقي رشيد عالي الكيلاني حيث التقيا فكريا وسياسيا، وتعزّزت صلتهما لاحقًا برابطة مصاهرة بين خلدون ساطع الحصري وأمل رشيد عالي الكيلاني.وتضمّ غرف أخرى مقتنيات البيت الأصلي ومتعلّقات العائلة الكثيرة، التي لا تتّسع المقالة لسردها، وتترك للزائر متعة اكتشافها خلال جولة في المتحف.
في صالات المتحف وغرفه يتعرف الزائر الى تاريخ العائلة لتروي قصة عائلة عربية عاشت تحوّلات دراماتيكية في المنطقة العربية في القرن العشرين عن قرب حيث كل فضاء فيه يشكل مشهدًا متكاملًا ضيء جوانب شخصياتها ودورها في تلك الأحداث.
أدركا خلدون وأمل مبكرًا قيمة التراث الفكري والفني الذي تحتفظ به العائلة، فحرصا على جمع المقتنيات والوثائق والكتابات والمؤلفات والصور المرتبطة بعائلة الحصري وحياتهما المشتركة، وحفظها وتوثيقها. ويشكّل هذا الأرشيف شاهدًا على سيرة المفكر ساطع الحصري وإسهاماته التي تركت أثرًا في أجيال متعاقبة، ومنها كتاب «القراءة الخلدونية» الذي اعتُمد في مدارس بلاد الشام في فترة سابقة.
جمع الثنائي على مرّ السنين مكتبة واسعة ومجموعة من لوحات الفن العراقي والعربي الحديث.فقد كان خلدون محبًّا للفن، فقد احتفظ بأعمال لفنانين عراقيين بارزين ، من بينهم جواد سليم، صديقه المقرّب منذ الطفولة وحافظ دروبي وفايق حسن وغيرهم من رواد الفن العراقي. وتكشف مقتنيات واعمال جواد سليم في المجموعة جانبًا حميمًا من هذه الصداقة، رسائل ورسوم ودفاتر شارك من خلالها مع خلدون أخبار رحلاته وتجاربه وما كان يتعلّمه ويكتشفه’ ، وتوفر هذه الأوراق والأعمال فرصة للتعرّف إلى الفنانين عن قرب، وإلى الصلات الإنسانية التي نشأت حول الفن وامتدت عبر السنين.
يقدّم المتحف تجربة مغايرة للمتاحف التقليدية؛ إذ يروي سيرة العائلة ضمن سياق أوسع تتقاطع فيه الفنون والسياسة والعمارة, وتتيح طريقة عرض المقتنيات للزائر تتبّع هذه الروابط، فيما تشكّل مجموعته، التي تضم مئات الوثائق والصور والمواد الأرشيفية واللوحات الأصلية لروّاد الفن العراقي، موردًا مهمًا للباحثين ودارسي التاريخ والفنانين وكتّاب السير. ويطمح المتحف إلى أن يكون فضاءً للقاء والحوار والبحث، يفتح هذه الذاكرة أمام جمهور أوسع من خلال برامجه وأنشطته الثقافية.
تشهد مقتنيات المتحف على الانتماءالقومي والعربيلخلدون وامل، فقد حملا إرثهما الفني والثقافي اينما ارتحلا، وتنقلابين بغداد وبيروت، ثم عمّان، لكنّ بيتهما ظلّ عربياً بامتياز فقد اتّسع لفلسطين وسوريا ومصر كما اتّسع للعراق.
اليوم يفتح هذا البيت أبوابه متحفاً حيّاً يعيد إلى هذه المقتنياتسياقها الإنساني. صُمّم المكان ليستحضر البيوت التي سكنتها العائلة، ويضم مقتنياتها وأعمالها الفنية وكتبها ورسائلها ووثائقها الرسمية. وبين جدرانه حكاياتُ انتماءٍ ورحيل،يجمع ما بعثره المنفى ويحتضن أصداء أصحابه. لم يكن بيتهم ليعيشوا فيه،لكنه بيتهم ليقفوا في منتصف زمن انقضى بذاكرة حاضرة وتروى كل لحظة بالوثيقة والصورة .
ويعتزم القائمون على المتحف تنظيم فعاليات فنية وثقافية وفكرية وموسيقية ومعارض فنية لتنشيط المكان والتعريف به، لئلا يكون مجرد مساحة لسرد التاريخ فحسب، بل ان يوفر المتحف للزائر تجربة مغايرة وليكون منصة تفاعلية تمنح الزائر الولوج للتاريخ ومتعة التلقي الفني والفكري وتربطه بما يجري على الساحة الثقافية والفنية الاردنية والعربية .
