تنين من الذكاء الاصطناعي يثير اهتمام الجمهور ويفتح نقاشًا حول مستقبل السينما
الفالح لـ "أحداث المملكة": الذكاء الاصطناعي يساعد صناع الأفلام ولا يحل محل الإنسان
إنتاج فيلم كامل بالذكاء الاصطناعي ما يزال هدفًا قيد التطوير
الذكاء الاصطناعي يخفض كلف الإنتاج ويقدم حلولًا إخراجية جديدة
خصوصية البيئة العربية ما تزال تحديًا أمام تقنيات الذكاء الاصطناعي
أحداث المملكة – إيمان هناندة- لم تعد صناعة الأفلام حكرًا على الاستوديوهات الكبيرة وفرق الإنتاج التي تضم عشرات المتخصصين، فالتطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي يفتح الباب أمام تجارب بصرية جديدة، تتيح تحويل فكرة مكتوبة إلى مشاهد وشخصيات وبيئات متكاملة.
ويظهر هذا التحول في فيلم فانتازي قصير بعنوان "The Mother’s Monster"، أخرجه الباكستاني Zahid Iqbal، ويستند إلى فكرة غير مألوفة تقوم على ولادة امرأة تنينًا بدلًا من طفل بشري، في قصة تجمع بين الخيال والصراع الإنساني حول الخوف من المختلف وقبول الآخر.
وتدور أحداث الفيلم في قرية جبلية مكسوة بالثلوج، حيث تضع امرأة شابة مولودًا غير مألوف، قبل أن تكتشف أنه تنين صغير. وبينما تنظر الأم إليه باعتباره طفلها الذي يحتاج إلى الحب والحماية، يرى سكان القرية فيه مخلوقًا غريبًا قد يتحول إلى مصدر خطر، فتضطر إلى حمايته والابتعاد به عن القرية، لتتناول القصة مشاعر الأمومة والخوف والحب والحكم على المختلف.
ولا تكمن أهمية التجربة في القصة وحدها، وإنما في طريقة إنتاجها أيضًا، إذ تستند إلى أدوات الذكاء الاصطناعي في توليد الصور والأصوات وبناء تفاصيل بصرية، ضمن عملية تجمع بين التقنية والتدخل البشري.
ويؤكد الأستاذ المساعد في كلية لومينوس الجامعية التقنية، والمتخصص في التقنيات الرقمية والواقع الافتراضي والسينما، المخرج أحمد محمد الفالح، أن صناعة الأفلام تشهد مرحلة جديدة مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى مراحل الإنتاج، إلا أن التكنولوجيا لم تصل بعد إلى إنتاج فيلم متكامل يصعب على المشاهد اكتشاف أنه مصنوع بالذكاء الاصطناعي.
ويقول الفالح لـ"أحداث المملكة" إن العديد من التطبيقات والمواقع أصبحت قادرة على تصميم الصور المتحركة وتحويل الصور الثابتة إلى مشاهد متحركة، فيما تتنافس شركات التكنولوجيا للوصول إلى مرحلة يصعب فيها التمييز بين المشهد التقليدي والمشهد المنتج بالذكاء الاصطناعي.
وبحسب الفالح، يستطيع الذكاء الاصطناعي حاليًا تحقيق نتائج مقنعة، خصوصًا في وسائل التواصل الاجتماعي والإعلانات والمقاطع القصيرة، إذ يمكن لمشهد لا تتجاوز مدته أربع أو خمس ثوان أن يبدو حقيقيًا بدرجة يصعب معها اكتشاف طريقة إنتاجه، لكن الأمر يختلف في الفيلم المتكامل، حيث لا تزال تفاصيل بصرية وحركية وإنسانية تكشف أحيانًا مصدر المشهد الاصطناعي.
ويشير إلى أن سرعة التطور كبيرة جدًا، وبدأت تظهر أنظمة يمكن تشغيلها محليًا دون اتصال بالإنترنت.
ولا يعني دخول الذكاء الاصطناعي إلى صناعة الأفلام اختفاء الدور البشري، إذ يرى الفالح أن التكنولوجيا تساعد المخرجين أكثر مما تحل محلهم، ويمكن استخدامها في فرز المشاهد، وتقديم حلول إخراجية، واقتراح أفكار للديكور، وإعداد القصص المصورة "ستوري بورد".
ويشير إلى أن الذكاء الاصطناعي حقق نجاحًا لافتًا في مجال الصور، لكنه لا يزال يواجه تحديات في خصوصية البيئة العربية، سواء في التراث، أو الحوار العربي، أو الشخصيات والملامح والملابس والمكياج والتفاصيل المرتبطة بالثقافة.
ومع ذلك، فإن قدرته على إنتاج شخصيات ومخلوقات وبيئات غير موجودة في الواقع تمنح صناع الأفلام مساحة واسعة للتجريب، وتجعل أعمالًا مثل "The Mother’s Monster" قابلة للتنفيذ دون بناء قرية ثلجية كاملة أو تصميم مخلوق خيالي بالوسائل التقليدية المكلفة.
كما يرتبط انتشار هذه الأعمال بطبيعة المنصات الرقمية؛ فمشهد قصير يحمل مفاجأة بصرية أو لحظة عاطفية يمكن أن ينتشر منفصلًا عن الفيلم، ثم يدفع المتلقي إلى البحث عن بقية القصة.
وحول تفاعل الجمهور، يوضح الفالح أن المتلقي انبهر بالتقنية، خصوصًا عند تحويل صورة إلى فيديو أو استحضار شخصيات توفيت منذ سنوات وجعلها تتحدث، إلا أن ذلك لا يعني محاكاة التأثير العاطفي للأداء الإنساني بصورة كاملة.
وفي الوقت الذي يتزايد فيه حضور الذكاء الاصطناعي في صناعة الأفلام، بدأت مهرجانات سينمائية حول العالم تولي اهتمامًا بالأعمال المنتجة باستخدام هذه التقنيات، بالتزامن مع نقاش حول مستقبل المهن التقليدية.
ومن أبرز الجوانب التي تجعل الذكاء الاصطناعي جاذبًا لصناع الأفلام قدرته المحتملة على خفض كلف الإنتاج، إذ يوضح الفالح أن بعض المشاهد التي كانت تتطلب ميزانيات مرتفعة يمكن إنتاجها اليوم بتكلفة أقل، ما يوفر فرصًا أوسع لصناع الأفلام محدودي الميزانية.
لكنه يؤكد أن ذلك لا يجعل التكنولوجيا بديلًا كاملًا عن الإنتاج التقليدي، لأن صناعة الفيلم تشمل القصة والأداء والإخراج والصوت والإيقاع والمشاعر. ويضيف، مستندًا إلى مشاركته في ورش متخصصة، أن التكنولوجيا تمثل حاليًا أداة مساعدة أكثر من كونها بديلًا عن الإنسان، خصوصًا في إنتاج المعنى وتوجيه العمل والمشاعر التي تصل إلى المشاهد.
ولا تنفصل هذه التحولات عن أسئلة أخلاقية وقانونية، خصوصًا مع القدرة على تحويل الصور إلى شخصيات متحركة والتعامل مع أصوات وصور أشخاص حقيقيين، ما يفرض نقاشًا حول حدود الاستخدام والحقوق والاعتبارات الأخلاقية، في ظل اختلاف الضوابط بين الدول والمنصات.
وبالنسبة إلى صناعة السينما العربية، لا يقتصر التحدي على امتلاك الأدوات، وإنما يشمل تطوير نماذج تفهم خصوصية الثقافة العربية وتنتج شخصيات وبيئات وحوارات تعكسها بدقة، إلى جانب بناء خبرات توظف التقنية في خدمة القصة بدل أن تتحول إلى غاية بحد ذاتها.
وتكشف تجربة "The Mother’s Monster" جانبًا من هذا التحول؛ فالفكرة الخيالية التي كانت تتطلب إمكانات إنتاجية كبيرة يمكن اليوم تنفيذ أجزاء واسعة منها باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، ثم إيصالها إلى الجمهور رقميًا.
ومع استمرار تطور الأدوات، يبدو أن المرحلة المقبلة ستكون مرحلة إعادة توزيع للأدوار داخل العملية الإبداعية، بحيث يصبح المخرج وصانع المحتوى أكثر اعتمادًا على أدوات تنفذ أجزاء من التصور البصري بسرعة وكلفة أقل.
وبين تنين يولد من رحم الخيال، وأدوات قادرة على تحويل صورة ثابتة إلى شخصية نابضة بالحركة، تتشكل ملامح مرحلة في صناعة الأفلام؛ مرحلة لا تلغي الإنسان بعد، لكنها تعيد تعريف الطريقة التي يكتب بها القصة، ويبني المشهد، ويصنع الصورة، ويصل بها إلى الجمهور.
الذكاء الاصطناعي يفتح أبوابًا جديدة لصناعة الأفلام ويعيد تعريف أدوات الإنتاج
