العودة إلى المعرض.. لا إلى الماضي
أحداث المملكة _أيهم العتوم
ليست كل لوحة تحتاج إلى أن تكتمل. أحيانًا، ما يتركه الفنان خارج الإطار هو ما يمنح العمل معناه؛ وجه لا تكتمل ملامحه، جسد يغيب منه جزء، ولون لا يكتفي بأن يُرى، بل يبحث عن حاسة أخرى كي يُستعاد.
في تجربة سهيل بقاعين، لم يكن النقص فراغًا في اللوحة، بل طريقًا إلى أسئلة عن الفقد والذاكرة والبصر واللون. ومن هذه الأسئلة تتشكل المرحلة الجديدة في تجربته، بعد سنوات ظل فيها الفن يتشكل بعيدًا عن الجدران البيضاء.
بين تراب الأردن وألوانه ومعالمه الأثرية، وبين تجاربه مع الأطفال والمكفوفين، اتسعت اللوحة عند بقاعين لتصبح أكثر من مساحة للرؤية؛ مساحة لما يمكن أن نتخيله أيضًا.
بالنسبة إليه، المعرض بصورته التقليدية «شيء منتهٍ وتقليدي يملك شكلًا ولكن بلا معنى». لذلك يبحث في الأعمال الجديدة عن أداء لوني مختلف، تتجاور فيه الحركة والإيقاع مع أسلوب وتقنية تراكمت في وعيه الفني عبر سنوات التجربة.
ويعيد ترتيب عناصر سبق أن حضرت في تجربته، لكن من زاوية أخرى؛ كأن الأسئلة تتغير، فيما تظل الألوان شاهدة على الرحلة.
لكل لوحة موضوعها الفريد وروحها المختلفة، كما يقول. ولهذا لا يمنح الشكل اكتماله كاملًا. الوجوه ليست نسخًا واقعية، والأجساد لا تقدم تفاصيلها كلها. ما يبقى خارج اللوحة ليس أقل أهمية مما يظهر فيها.
ذاكرةالأم.. حين يصبح الفقد جزءًا من العمل
في عام 2001 فقد بقاعين والدته، رحمها الله، التي كان مرض السكري قد أضعف بصرها، كما تعرضت لبتر جزء من ساقها. ظل الحدث حاضرًا في تجربته، وارتبط لديه بالزمن وبما يتركه الفقد وراءه.
البتروالشكل الناقص.. حضور ما غاب
في مجموعاته الأخيرة، حضرت فكرة البتر بصورة مباشرة، كما يستحضر ما يُعرف بـ«الألم الشبحي» الذي قد يبقى بعد فقدان جزء من الجسد.
بالنسبة إلى بقاعين، لا ينتهي أثر الفقد عند الجزء الذي غاب. وهذا يلتقي مع طريقته في بناء الشكل: ما لا يكتمل في اللوحة يترك مجالًا لتأويل المشاهد، بدل أن يقدم له الفنان إجابة نهائية. هنا يصبح النقص اختيارًا فنيًا، لا نقصًا تقنيًا في العمل.
الذهب.. حين يتحول اللون إلى موقف
في «المجموعة الذهبية»، يختار بقاعين الذهب لأنه يراه لونًا للقوة والصلابة. لكنه لا يستخدمه كعنصر زخرفي فحسب؛ فاللون لديه جزء من بناء العمل ومن الطريقة التي تستقبل بها العين اللوحة. ومن اللون يبدأ مسار آخر في تجربته، يتجاوز ما تراه العين.
«عبقاللون».. الفنخارج حدود البصر
منذ نحو خمسة عشر عامًا، اتجه بقاعين إلى العمل مع المكفوفين وذوي الإعاقة البصرية، في تجربة ارتبطت بمشروع «عبق اللون»، إلى جانب «قارئ اللون» و«ما وراء البصر والمشاهدة».
وكان التحدي بالنسبة إليه أن يجد طريقة لتمييز الألوان لدى من فقدوا البصر أو بصرهم ضعيف. ومن هنا لجأ إلى حاسة الشم، رابطًا اللون برائحة معينة، في محاولة لتحويل اللون من شيء يُرى إلى شيء يمكن تخيله واستحضاره بحاسة أخرى.
يقول بقاعين: «لجأت إلى حاسة الشم من خلال تخيل اللون بواسطة ربط اللون برائحة معينة».
الفكرة لم تكن تقديم الفن إلى المكفوفين بوصفهم جمهورًا مختلفًا فحسب، وإنما اختبار إمكانات أخرى للتعامل مع الرسم واللون. وفي «دارة سهيل»، محترفه الفني في جبل اللويبدة، وجد هذا المشروع مساحة تجمع الرسم والتدريب والعرض، وتتيح للأطفال المكفوفين وذوي البقايا البصرية ممارسة الفن ضمن بيئة مخصصة لهم.
في تجربة «عبق اللون»، لا يعود اللون حبيس العين؛ فالأخضر، مثلًا، يرتبط برائحة النعناع، في محاولة لمنحه حضورًا يمكن استحضاره بحاسة أخرى.
بالنسبة إلى بقاعين، كان العمل أيضًا محاولة لتحويل الإعاقة إلى طاقة، وتنشيط خيال الطفل ودفعه إلى الإنتاج منذ الصغر. وهو يرى أن الفنان لا يكتفي بصناعة العمل، بل يتحمل مسؤولية تجاه المجتمع.
«نحن كفنانين علينا مسؤولية مجتمعية ويجب أن تكون لنا بصمة»، يقول. فإذا كانت اللوحة تبدأ عادة من العين، ماذا يحدث عندما لا تكون العين هي المدخل الوحيد إليها؟
من الفنإلى المجال العام
من هنا اتسعت تجربته إلى بعد آخر من علاقة الفن بالمجتمع. شارك في ورش ومعارض مع طلاب مكفوفين، وكان من بينها نشاطه الأخير في مهرجان جرش، حيث أقيمت ورش وأنشطة فنية وثقافية للطلاب.
وفي عام 2023، استقبلت «دارة سهيل» سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني وسمو الأميرة رجوة الحسين، حيث اطلعا على الأعمال والتقيا بالطلاب المشاركين في التجربة.
ويستعيد بقاعين الزيارة باعتزاز، مشيرًا إلى أن اهتمام الأمير الشاب بالأعمال والطلاب المشاركين في المبادرة الفنية منحها تقديرًا خاصًا، ودعم حضور الطلاب ودورهم في التجربة، وأبرز قدرة الفن على أن يكون مساحة للخيال والمشاركة، لا مجرد أعمال معلقة على جدران.
المتحفالمتنقل.. حين تغادر اللوحة مكانها
قبل ذلك بسنوات، كان بقاعين قد اختبر فكرة أخرى: ماذا لو ذهبت الأعمال إلى الجمهور بدل انتظار الجمهور للوصول إليها؟
في عام 2009 أطلق «المتحف المتنقل»، الذي حمل أعمالًا لفنانين تشكيليين أردنيين في أكثر من 600 رحلة إلى مناطق مختلفة من المملكة، بهدف تعريف الأطفال والشباب بالفن والمساهمة في تطوير ذائقتهم الفنية.
الفكرة بسيطة، لكنها تغيّر علاقة العمل بمكانه: اللوحة لا تعود مرتبطة بقاعة، والمتحف لا يصبح عنوانًا ثابتًا.
وكان الأطفال جزءًا أساسيًا من هذه التجربة. بالنسبة إلى بقاعين، هم ليسوا جمهورًا للمشروع فقط، بل مصدر للإلهام أيضًا؛ لأن الطفل ينظر إلى اللون قبل أن يتعلم قواعده، ويرسم قبل أن يتعرف إلى الشكل الذي يفترض أن يكون عليه.
الأردن.. المكان بوصفه مادة بصرية
ومن علاقته بالجمهور، تتسع تجربة بقاعين لتشمل علاقة أعمق بالمكان؛ فالأردن بالنسبة إليه ليس مجرد جغرافيا، بل مادة بصرية تختزن طبقات من الذاكرة.
في رحلاته عبر الأردن، يستعيد بقاعين مفردات بصرية من مواقع ومعالم تمتد من عين غزال والبتراء ووادي رم إلى الصفاوي والكرك وجرش، إلى جانب الزخارف والعناصر البصرية التي يراها امتدادًا للذاكرة المحلية.
لا ينقل المكان كما هو، بل يعيد تفكيك مفرداته وتركيبها داخل العمل. يتحول الأثر إلى خط سردي، والزخرفة إلى إيقاع ثقافي، والمشهد إلى عنصر في لغة تشكيلية تستعيد المكان من زاوية أخرى.
يسمي ذلك «السياحة التشكيلية»: أن يكون المكان مصدرًا لإلهام الفنان، لا مجرد خلفية للوحة.
وعندما يخرج العمل من الأردن، يريد أن يبقى فيه ما يشير إلى هذه الذاكرة المتراكمة من دون أن تتحول إلى خطاب مباشر. أن يكون في اللوحة ما يدفع المشاهد إلى اكتشاف المكان خلفها.
الصورةالسريعة.. واللون الإنساني في زمن الحرب
يعمل بقاعين اليوم في بيئة مختلفة عن تلك التي بدأ فيها تجربته. الصورة موجودة في كل مكان، ووسائل التواصل الاجتماعي تختصر المسافة بين العمل والمشاهد، فيما يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل علاقتنا بالصورة وبإنتاجها.
في عالم تمر فيه الصور بسرعة، تحتاج اللوحة إلى وقت مختلف؛ وقت يسمح للمشاهد بأن يتوقف أمامها. وفي مقابل صور الحرب التي تختزل المشهد في الدم والسواد، يمنح بقاعين اللون مساحة أخرى؛ مساحة للحياة والجمال والحب والانتماء، ولما يمكن أن يبقى من إنسانية المشهد وسط قسوته.
ليست الفكرة تجاهل الواقع، وإنما ترك مساحة للفن كي يقول شيئًا لا تقوله صور الحرب، وأن تنطق الألوان بلغة أخرى؛ لغة تستعيد ما قد تغطيه قسوة الصورة السريعة.
ومنذ العلامات الأولى التي تركها الإنسان على جدران الكهوف، ظل الفن إحدى طرق التعبير عن العمق والصدق والحب والانتماء، وعن الرغبة في تجاوز المألوف. تغيرت الأدوات، لكن الحاجة إلى التعبير لم تتغير.
العودةإلى قاعة العرض
قريبًا، يستعد بقاعين لتنظيم معرض يمثل خلاصة مرحلة من تجربته الفنية، وما أنجزه خلالها في 24 رحلة استهدفت الأشخاص ذوي الإعاقة بالتعاون مع وزارة الثقافة.
يعود إذن إلى قاعة العرض، بعد أكثر من اثني عشر عامًا، لكن ما يحمله إليها هذه المرة ليس مجرد مجموعة جديدة من الأعمال. ثمة سنوات من التجربة، وأسئلة عن الفقد والبصر واللون، وتجارب مع الأطفال والمكفوفين، وأماكن ظل يستعيد مفرداتها في أعماله.
وحين يتحدث بقاعين عن الزمن، لا يبدو كمن يحن إلى ما مضى، بقدر ما ينظر إلى ما تركه الماضي في عمله.
وحين يُسأل عمّا كان سيختاره لو عاد به الزمن إلى الوراء، تأتي إجابته قصيرة:
«لن أكون إلا فنانًا».
ولعل المعرض المقبل ليس عودة إلى ما كان، بقدر ما هو وصولٌ إلى ما انتهت إليه تلك الرحلة.
