داود حميدان -في العقبة، لا يشبه البحر شيئًا آخر… فهو حاضر في تفاصيل المدينة، في شوارعها، وواجهاتها، وذاكرة أهلها وزوارها. لكن هناك من قرر أن يضيف إلى هذا البحر لونًا آخر، وأن يجعل من الجدران التي اعتادت الصمت مساحةً للحكاية.
هنا، يقف الفنان التشكيلي كمال ياسين أمام جدار كبير، يحمل فرشاته وكأنها امتداد لسنوات طويلة من العمر والتجربة. يضع لونًا فوق آخر، يرسم، يتراجع خطوات إلى الخلف، يتأمل ما صنعته يده، ثم يعود من جديد ليمنح الجدار تفصيلًا آخر.
بالنسبة إليه، الأمر ليس مجرد طلاء جدار.
إنها حكاية مدينة.
منذ أكثر من ثلاثة عقود، اختار ياسين أن يكون الفن جزءًا من حياته، وأن يبحث له عن مكان خارج الإطار التقليدي للوحة. انتقل من الورق إلى الجدران، ومن قاعات المعارض إلى الشوارع والمطاعم والفنادق والمدارس والأماكن السياحية، مؤمنًا بأن الفن حين يخرج إلى الناس يصبح أكثر قربًا منهم، وأكثر قدرة على ترك أثر في ذاكرتهم.
وفي أحدث محطاته، وضع ياسين بصمته على جدارية «البحر الأحمر»، التي تمتد على مساحة تقارب 200 متر مربع في منطقة شارع النهضة، مقابل فندق البازار، بتاريخ 30 آب 2026.
الجدارية جاءت برؤية من مفوض شؤون البنية التحتية والحضرية في سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة الدكتور المعتصم الهنداوي، في إطار تشجيع الحركة الفنية والسياحية، وإيجاد مساحات بصرية تضيف قيمة جمالية إلى المشهد الحضري في العقبة.
فالجدار، في نظره، ليس سطحًا إسمنتيًا ينتظر اللون، وإنما مساحة يمكن أن تحمل روح المكان. وعندما تولد الجدارية في شارع عام، فإنها لا تبقى ملكًا للفنان وحده؛ تصبح ملكًا للمكان والناس الذين يمرون أمامها كل يوم.
من الورقة إلى جدار المدينة
لم يبدأ كمال ياسين رحلته الفنية بجدارية ضخمة، ولم تكن الفرشاة الكبيرة أول أدواته.
كانت البداية أكثر بساطة؛ قلم رصاص، وفحم، وخطوط صغيرة تبحث عن شكلها على الورق.
ومع مرور السنوات، أخذت التجربة تتسع، وانتقل إلى الألوان الزيتية، ثم إلى الجداريات والمساحات المفتوحة.
شارك ياسين في معارض فنية محلية ودولية، من بينها مشاركات خلال عام 2019 في أربعة معارض دولية، شملت العقبة، ودار الأوبرا في مصر، والمكتبة الوطنية في عمّان، إلى جانب معرض دولي في تركيا.
كما شارك في معرض دولي افتراضي في بيرو بأمريكا الجنوبية، لتخرج تجربته من حدود المكان الذي بدأ منه، وتحمل العقبة معها إلى مساحات فنية أبعد.
لم يتوقف ياسين عند جداريات الشوارع.
ففي العقبة، امتدت تجربته إلى أماكن يلتقي فيها الفن بالحياة اليومية والسياحة؛ فنفذ أعمالًا فنية في عدد من المنشآت السياحية والفندقية والمطاعم.
ومن أعماله الحديثة، رسومات في مطعم جديد في سوق الثامنة الجديد، إلى جانب أعمال في فندق حياة ريلكس بمنطقة الرابعة، شملت جداريات على الترس وداخل المطعم.
ثم أخذ الفن طريقه إلى البحر نفسه، من خلال الرسم على القوارب الزجاجية السياحية، في تجربة تجمع بين اللون والماء وحركة الزوار.
وكأن ياسين يقول بطريقته الخاصة إن الفن لا يحتاج دائمًا إلى قاعة مغلقة حتى يُرى.
أحيانًا، يكفي أن يكون على جدار يمر بجانبه الناس… أو على قارب يعبر البحر.
ويرى ياسين أن هناك فرقًا بين اللوحة والجدارية.
فاللوحة يمكن أن تنتقل من معرض إلى آخر، ومن مدينة إلى أخرى، لكن الجدارية تبقى مرتبطة بالمكان الذي ولدت فيه.
وفي مدينة مثل العقبة، حيث تتقاطع السياحة مع البحر والتاريخ والحياة اليومية، يمكن للألوان أن تصبح جزءًا من هوية المكان.
ثلاثون عامًا… وما زالت الفرشاة في اليد
ربما تغيرت الأدوات، وكبرت المساحات، وتعددت الأماكن، لكن شيئًا واحدًا لم يتغير.
ما زال كمال ياسين يحمل الفرشاة بروح الفنان الذي يبحث عن فكرة جديدة.
من قلم رصاص وفحمة على ورقة صغيرة، إلى جدارية تمتد على نحو 200 متر مربع.
ومن قاعات المعارض، إلى الفنادق والمطاعم، وصولًا إلى القوارب التي تجوب مياه البحر الأحمر.
وهكذا، لا تبدو جدارية «البحر الأحمر» مجرد عمل فني جديد في العقبة، بقدر ما تبدو فصلًا جديدًا من قصة بدأت قبل أكثر من ثلاثين عامًا.
قصة رجل آمن بأن الفن يستطيع أن يمنح المكان ذاكرة، وأن الجدار يمكن أن يتحدث، وأن الفرشاة قد تقول أحيانًا ما تعجز الكلمات عن قوله.
وفي مدينة البحر الأحمر، ربما لا تنتهي الحكاية عند آخر ضربة فرشاة…
بل تبدأ عندما يتوقف عابر أمام الجدارية، ينظر إليها للحظة، يبتسم، يلتقط صورة، ثم يمضي… وفي ذاكرته شيء جديد عن العقبة.
