الرئيسية / ثقافة و فنون
ثقافة و فنون

الفن التشكيلي الأردني.. مواهب تتقدم وسوق لا تزال محدودة

الفن التشكيلي الأردني.. مواهب تتقدم وسوق لا تزال محدودة

 

 

رئيس رابطة الفنانين التشكيليين الأردنيين غازي انعيم لأحداث المملكة: نحتاج إلى سوق فنية حقيقية ورؤية مؤسسية تدعم استدامة الفنان

 

على جدران المعارض تبدو اللوحة الأردنية حاضرة بتجارب متنوعة ومدارس متعددة، فيما يواصل فنانون البحث عن مسارات جديدة، وبعض هذه التجارب استطاع أن يعبر حدود المكان إلى فضاءات عربية ودولية.

 لكن خلف هذه الصورة سؤال أقل بريقا: ماذا يحدث بعد أن تغلق قاعة المعرض؟

 

فالفنانون لا يواجهون تحديات الإبداع وحدها؛ فهناك سوق لا تزال محدودة، ودعم مؤسسي يرى غازي انعيم، رئيس رابطة الفنانين التشكيليين الأردنيين، أنه بحاجة إلى مزيد من التطوير، إلى جانب تحديات التسويق والتوثيق والوصول إلى المحافل الدولية.

 

يرى انعيم أن الفن التشكيلي الأردني يحتل مكانة مهمة في المشهد الثقافي العربي، مستنداً إلى تراكم إبداعي وتنوع في المدارس والمذاهب والأبعاد الجمالية، بدأ مع الرواد وتطور عبر أجيال لاحقة نحو تجارب حداثية وما بعد حداثية.

 

ويشير إلى أن الفنان الأردني استطاع أن يطوّر هوية بصرية واضحة من خلال استلهام البيئة المحلية والتراث والبادية وعمّان والبتراء والزخارف الشعبية، وإعادة تقديمها ضمن قوالب حداثية ومعاصرة. 

 

كما أن تنوع التجارب لا يقتصر على مدرسة فنية واحدة، بل يشمل الحروفية العربية والفنون المعاصرة والتجهيز في الفراغ و«الفيديو آرت».

 

لكن هذا الحضور، بحسب رؤيته، لا يعني أن الحركة التشكيلية وصلت إلى مرحلة الاستقرار؛ إذ لا تزال تواجه عوائق تتصل بالدعم والسوق والتسويق والتوثيق والوصول إلى المحافل الدولية.

 

 رابطةتستعيد دورها

 

في مطلع أيلول 2026، عاد رئيس الرابطة إلى موقعه الذي شغله سابقا بين عامي 2008 و2016، بعد سنوات شهدت، وفق وصفه، تغيرات متلاحقة وانتقال الرابطة بين عدة مقرات، انعكس على برامجها وعلى مستوى الدعم المالي المقدم لها.

 

ويستعيد من تجربته السابقة صورة مختلفة للرابطة؛ إذ كانت، عند انتهاء دورته عام 2016، مجهزة بصالة عرض ومكاتب ومكتبة ومرسم وأجهزة حاسوب وكاميرات مراقبة وأجهزة عرض ونظام صوتيات، إلى جانب مجموعة كبيرة من الأعمال الفنية بلغت 430 لوحة، بينها نحو 150 لوحة لفنانين عرب وأجانب، نتجت عن ملتقيات تشكيلية نظمتها الرابطة في عمّان.

 

أما المرحلة الجديدة، فيضع لها أولويات تبدأ من استعادة البنية المؤسسية للرابطة، وفي مقدمتها البحث عن مقر جديد يضم صالة عرض ومخازن للأعمال الفنية ومكتبة ومكاتب للهيئة الإدارية ومراسم لتدريس الفنون وقاعة للندوات.

 

ولا تتوقف الخطة عند المكان؛ فالرابطة، بحسب رؤيته، تريد جمع الفنانين التشكيليين تحت مظلة واحدة، ورعاية مصالحهم المهنية، وتنظيم لقاءات تكريمية لرموز الحركة التشكيلية، وربط الفنانين الشباب بخبرات الرواد والنقاد. 

 

كما يسعى إلى إعادة إحياء الاتحاد العام للفنانين التشكيليين العرب، مشيراً إلى أنه أجرى اتصالات مع رؤساء اتحادات وجمعيات وروابط ونقابات تشكيلية عربية بشأن الفكرة.

 

وتشمل الخطة أيضاً إقامة معارض فردية وجماعية وملتقيات وورش عمل وندوات ومسابقات، بالتوازي مع توثيق النتاج الفني والأرشيف التشكيلي الأردني وحفظ الأعمال والمقتنيات ضمن سجلات الرابطة، بما يحفظ الذاكرة البصرية للأجيال المقبلة.

 

كما يطمح إلى توسيع التعاون مع وزارة الثقافة وأمانة عمّان والشركات والمصارف والجهات الأكاديمية والدولية، بما يساهم في الترويج للفن الأردني وتعزيز حضوره محلياً وعالمياً.

 

سوقفنية تبحث عن أدواتها

 

إذا كانت المشكلة الأولى تتعلق بالبنية المؤسسية، فإن المشكلة الأخرى ترتبط بالسوق.

 

يصف أنعيم السوق الفنية الأردنية بأنها ناشئة ونشطة من حيث الإبداع، لكنها محدودة مقارنة بالأسواق الفنية الإقليمية والعالمية. 

 

ويضع أمام هذه السوق مجموعة من التحديات، تبدأ بمحدودية عدد صالات العرض القادرة على استيعاب أعمال الفنانين وتسويقها، وتمر بغياب بيوت المزادات الدورية، ونقص وكلاء الأعمال المحترفين الذين يمكنهم إدارة شؤون الفنانين وتسويق إنتاجهم.

 

كما يشير إلى أن الوعي بالعمل الفني بوصفه أصلا ماليا واستثماريا لا يزال في طور النمو، فيما تبقى قاعدة المقتنين محدودة، ويضطر بعض الفنانين إلى تسويق أعمالهم بأنفسهم، أو التوجه إلى أسواق إقليمية وعالمية بحثاً عن فرص أفضل.

 

وتضاف إلى ذلك تحديات مرتبطة بشحن الأعمال الفنية والإجراءات اللوجستية والجمركية، إلى جانب ما يراه أعباء ضريبية وعمولات صالات العرض تؤثر في عوائد الفنان.

 

وهنا يتحول السؤال من «كيف ننتج الفن؟» إلى سؤال آخر أكثر ارتباطاً باستدامة الفنان: كيف يمكن بناء البيئة التي تجعل من العمل الفني منتجاً ثقافياً قابلاً للتداول والاستثمار، وليس مجرد جهد إبداعي يعتمد صاحبه في تسويقه على إمكاناته الشخصية؟

 

 دعممؤسسي بحاجة إلى تطوير

 

يرى انعيم أن الفن التشكيلي الأردني لا يحظى بالدعم المؤسسي الكافي، وأن حجم الدعم لا يعكس، من وجهة نظره، حجم القطاع وحاجته إلى الاستمرارية.

 

ويشير إلى محدودية الميزانيات المخصصة للفنون التشكيلية مقارنة بقطاعات ثقافية أخرى، الأمر الذي يحد من قدرة الرابطة على تنظيم الملتقيات والمعارض والفعاليات التي تحتاجها الحركة التشكيلية.

 

كما يلفت إلى غياب خطط واضحة للتعامل مع اللوحة الأردنية بوصفها منتجاً ثقافياً، ويرى أن تطوير هذا الجانب يمكن أن يفتح للفنان مجالاً أوسع للتفرغ للإبداع، بدلاً من أن يبقى البحث عن فرص العرض جزءاً أساسياً من أعبائه اليومية.

 

 الفنانفي زمن الظهور الدائم

 

دخلت وسائل التواصل الاجتماعي بقوة إلى حياة الفنان التشكيلي، ومنحت أعماله فرصة للوصول المباشر إلى جمهور أوسع من دون الحاجة دائماً إلى وسيط.

 

لكن انعيم يرى أن هذه الفرصة تحمل وجهاً آخر؛ فالإفراط في الظهور ومشاركة التفاصيل اليومية قد يؤثر، في رأيه، في صورة الفنان وحضوره، فيما تتحول المنصات إلى مساحة للنقد والمقارنة وملاحقة الخوارزميات والإعجابات.

 

المفارقة هنا أن الأداة التي تمنح الفنان انتشاراً أكبر قد تتحول في الوقت نفسه إلى عامل يستنزف طاقته ويصرف انتباهه عن العمل الفني نفسه.

 

 ولذلك تبدو المسألة بالنسبة للفنان ليست مجرد امتلاك حساب على منصة رقمية، بل القدرة على إدارة حضوره فيها من دون أن يصبح أسيراً لها.

 

 حينتدخل الخوارزمية إلى المرسم

 

أما الذكاء الاصطناعي، فيفتح أمام الفن التشكيلي سؤالاً أكثر تعقيداً: هل نحن أمام أداة جديدة للفنان، أم أمام تحول يمس مفهوم الإبداع ذاته؟

 

يرى رئيس الرابطة أن الذكاء الاصطناعي يمثل ثورة تعيد تشكيل مفاهيم الإبداع والجمال، ويمنح الفنان أدوات جديدة لتوليد الأفكار والأشكال البصرية بسرعة، شأنه في ذلك شأن التحولات التقنية السابقة التي أضافت أدوات جديدة إلى الممارسة الفنية.

 

لكن الجانب الآخر يتعلق بأصالة العمل وحقوق الملكية الفكرية. 

 

ويشير إلى إشكالات تتعلق بتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي على أعمال فنية، إضافة إلى السؤال حول مقدار البصمة الإنسانية في الأعمال التي تنتج عبر الأوامر النصية.

 

ولا يرى أن الذكاء الاصطناعي قادر على إلغاء الفنان البشري، لكنه يعتقد أنه يغير قواعد اللعبة؛ فالرفض الكامل للتقنية قد يعزل الفنان عن تحولات العصر، بينما يؤدي استخدامها بلا وعي إلى فقدان الهوية الفنية. ومن هنا يطرح الحاجة إلى أطر أخلاقية تحمي حقوق المبدعين وتنظم العلاقة بين التقنية والممارسة الفنية.

 

 جيلشاب يبحث عن مساحة

 

على الرغم من الحضور المتزايد للفنانين الشباب، إلا أن الطريق أمامهم لا يزال مليئاً بالعقبات؛ من تكاليف الخامات والافتقار إلى الدعم المالي، إلى ضعف منصات العرض وصعوبة الوصول إلى المعارض والمحافل الدولية.

 

ويضاف إلى ذلك نقص المساحات الإبداعية، حيث يجد بعض الفنانين أنفسهم أمام تراكم أعمالهم في المنازل، في ظل صعوبة تحمل كلفة استئجار استوديو خاص.

 

ولهذا يضع رعاية الفنانين الشباب وتوفير مساحات وفرص تساعدهم على الاستمرار ضمن أولويات المرحلة المقبلة، باعتبار أن استمرارية الحركة التشكيلية لا تتعلق بحماية الذاكرة الفنية فقط، وإنما بخلق جسر بين الأجيال.

 

 اللوحةبوصفها صورة للأردن

 

بعيداً عن حدود السوق والمعرض، يحمل الفن التشكيلي وظيفة ثقافية أخرى تتمثل في تقديم صورة الأردن إلى العالم.

 

ويرى رئيس الرابطة أن الفنانين الأردنيين استطاعوا، عبر جهودهم الذاتية، تقديم صورة بصرية تعكس تاريخ المملكة وطبيعتها وتنوعها الثقافي، من المكان والمشهد الطبيعي والسياحي والعمارة المحلية، إلى تفاصيل الحياة اليومية والأزياء والمطرزات والوجوه البدوية والريفية.

 

لكن تطوير هذا الدور، من وجهة نظره، يحتاج إلى تعاون مؤسسي يجمع رابطة الفنانين التشكيليين الأردنيين ووزارة الخارجية ووزارة السياحة، بما يحول الفن من جهد فردي متفرق إلى جزء من الحضور الثقافي للأردن في الخارج.

 

 عامواحد لاختبار الرؤية

 

لو امتلك عاماً واحداً لإحداث تغيير، يضع رئيس الرابطة أمامه أولويات تتصل برقمنة الفن، وتبني التقنيات الحديثة، وتنويع مصادر الدخل، والتحرر من قيود المعارض التقليدية.

 

ولا يختصر رؤيته للرابطة في عدد المعارض التي ستقام أو حجم الأنشطة التي ستنظم، بل في الأثر الذي سيبقى لدى الفنانين. فالإرث الذي يريده، كما يقول، هو أن تتذكر الأجيال المقبلة فترة إدارته وفريقه بوصفها مرحلة عملت على حماية حقوق الفنانين المادية والمعنوية، وفتحت الأبواب أمام المواهب الشابة، وحولت الرابطة من مؤسسة بيروقراطية إلى «بيت حقيقي» يجمع الفنانين ويساندهم في أوقات الأزمات.

 

فالمسألة في النهاية لا تتعلق بعدد المعارض التي ستقام، بقدر ما تتعلق بقدرة الحركة التشكيلية على بناء منظومة تجعل الفنان قادراً على الإبداع، واللوحة قادرة على الوصول إلى جمهورها، والفن الأردني قادراً على عبور حدوده.

 

مقالات ذات صلة