أحداث المملكة - السلط
بين أصابع محمد الطنطاوي، لا يبدو الرمل مجرد حبات صغيرة تتساقط داخل زجاجة. كل طبقة تأخذ مكانها بدقة، وكل لون يقترب من الآخر ليصنع ملامح مشهد لم يعد يُرى على شاطئ أو في صحراء، بل أصبح مشهدًا محفوظًا داخل قطعة زجاج.
في محلّه بوسط السلط القديمة، يحوّل الطنطاوي الرمل الملون إلى مشاهد صغيرة لوادي رم؛ قافلة جمال، واحة نخيل، ومشهد لغروب الشمس. ولا يحتاج في كثير من الأحيان إلى مخطط مسبق، فالمشهد الذي يراه في حياته اليومية يتحول بين يديه إلى خطوط وألوان من الرمل.
هنا، لا توجد فرشاة ولا ألوان زيتية. هناك رمل ملون، وزجاجة، ويد تعرف أن خطأ صغيرًا قد يفسد مشهدًا استغرق وقتًا في بنائه.
بدأ الطنطاوي هذه الحرفة عام 2008، بعدما شاهد أبناء عمومته يمارسون الرسم بالرمل داخل الزجاج. في البداية كانت هواية يمارسها في أوقات فراغه، قبل أن تتطور مهارته تدريجيًا وتبدأ المحال بطلب أعماله ومنتجاته.
وكان أول رسم نفذه جملًا، مستلهمًا من البيئة السياحية الأردنية وما يرتبط بها من صور وادي رم والبتراء. ومنذ ذلك الوقت، أصبح الرمل بالنسبة إليه وسيلة لرسم مشاهد يرى فيها جزءًا من المكان والهوية التي يريد تقديمها للزائر.
تختلف مدة إنجاز الزجاجة بحسب تفاصيل الرسم وعدد الألوان المستخدمة، فقد يستغرق العمل بين خمس دقائق وأربعين دقيقة. وفي كثير من الأحيان يبدأ الرسم من دون إعداد مسبق، مستندًا إلى ما يلفت انتباهه في الحياة اليومية.
ولا تخلو الحرفة من تحدياتها. فرسم ملامح الوجه البشري من أصعب الأعمال بالنسبة إليه، وكذلك الشعارات التي تتطلب خطوطًا وتفاصيل هندسية دقيقة.
ومن بين الأعمال التي تحمل بالنسبة إليه معنى خاصًا، رسومات «شجرة الحياة»، إلى جانب عمل يصور شابًا وفتاة يمسكان بأيدي بعضهما، ويرى فيه انعكاسًا لفكرة الحياة. أما العمل الأقرب إليه، فهو مشهد لقافلة جمال في وادي رم، تحيط بها واحات النخيل في لحظة غروب الشمس.
وفي إحدى المرات، طلب منه أحد الزبائن رسم قطة كانت قد نفقت، لتبقى صورتها ذكرى لديه. كانت لحظة مختلفة عن الطلبات السياحية المعتادة، وأظهرت له كيف يمكن لقطعة صغيرة من الرمل والزجاج أن تحمل أيضًا ذكرى شخصية.
مع الوقت، بدأت الحرفة تأخذ مساحة أكبر في حياته. وكانت رحلته الأولى إلى دبي محطة أدرك خلالها أن ما بدأه كهواية يمكن أن يتحول إلى عمل فني ومصدر دخل. ثم عمل في تركيا أيضًا، وبدأ يتلقى طلبات من خارج الأردن.
وتوسعت الفرص التي جاءت إليه، حتى حصل على فرصة عمل مع شركة أديداس من خلال إعداد زجاجات رملية صغيرة. ومع تراكم التجربة، لم يعد الأمر بالنسبة إليه مجرد ممارسة في أوقات الفراغ، بل حرفة يواصل تطويرها ويعتمد عليها مهنيًا.
اختار الطنطاوي أن يفتح محله في وسط مدينة السلط، في الشارع القديم، بعدما لاحظ عدم وجود محال متخصصة بهذا النوع من الرسم في المنطقة، إلى جانب ما تتمتع به السلط من حضور سياحي. واليوم، لا يكتفي بعرض أعماله، بل يقيم أيامًا مفتوحة للأطفال لتعليمهم أساسيات الرسم بالرمل، في تجربة يرى فيها فرصة لتنمية المهارات اليدوية والحرفية لديهم.
ويلحظ الطنطاوي أن الزائر الأجنبي غالبًا ما يتفاجأ أكثر بطريقة تشكيل الرمل داخل الزجاج، بينما تبدو الفكرة أكثر ألفة لدى بعض الزوار العرب. ومع ذلك، أصبح بعض الناس يزورون المحل خصيصًا لمشاهدة طريقة العمل والتقاط الصور أثناء تشكيل الرسومات.
ويقول إن هذه الحرفة لم تغيّر طبيعة عمله فقط، بل ساعدته أيضًا على تطوير مهارات التواصل لديه، ودفعته إلى تعلم لغات جديدة بحكم احتكاكه بالزوار والسياح.
وبينما يواصل العمل على زجاجاته، لا يرى الطنطاوي نفسه مجرد صاحب حرفة تقليدية، بل يقول ببساطة: «أنا فنان أمارس مهارتي باحترافية».
وفي محل صغير في قلب السلط القديمة، يستمر الرمل في التحول إلى حكايات؛ حكايات لا تحتاج إلى مساحة كبيرة، لأن زجاجة واحدة تكفي أحيانًا لاختصار مكان وذكرى وصورة.
