أحداث المملكة
في عمّان، حيث ترعرعت رنا الصفدي، بدأت علاقتها بالفن من تفاصيل تبدو عابرة للعين: بيت قديم، شارع، واجهة معمارية، لون في مكان ما، أو مشهد من الحياة اليومية. ومع الوقت، تحولت هذه التفاصيل إلى مادة بصرية ترافق تجربتها التي تمتد لنحو عشرين عامًا، وتبحث في العلاقة بين الجمال والمكان والإنسان.
من المكان إلى اللوحة
درست الصفدي الفن والأدب والسياحة في الأردن والنمسا وفرنسا، ووسعت هناك علاقتها بالتجارب الفنية والثقافية المختلفة، قبل أن تعود إلى الأردن وهي تنظر إلى البيئة المحلية بوصفها مخزونًا غنيًا للوحة. في أعمالها، تستخدم الألوان الزيتية والسكاكين والتدرجات، وتتنقل بين التجريد والتعبير، مستحضرة الطبيعة والصحراء والعمارة والناس وأنماط الحياة.
«الجمال والفن يكملان بعضهما»، تقول الصفدي، في عبارة تختصر جانبًا من رؤيتها. ولذلك لا تأتي أعمالها من بحث عن الجمال بمعزل عن الواقع، بل من محاولة لالتقاط ما هو جميل فيه وإعادة تقديمه بصريًا. وفي معارضها، كما تقول، تسعى إلى «دمج الجماليات مع الواقع»، بحيث تظل اللوحة مرتبطة بالحياة التي خرجت منها.
ولا تبدو أعمالها، في هذا السياق، محاولة لتوثيق المكان بصورته المباشرة، بقدر ما هي إعادة قراءة له. فالبيت القديم يمكن أن يصبح ذاكرة، والصحراء مساحة للتأمل، والإنسان عنصرًا يضيف إلى المشهد حركته وحكايته. وهذا ما يمنح تجربتها مساحة بين الواقعي والتعبيري، وبين ما تراه العين وما تستدعيه الذاكرة.
حين يصبح الفن مساحة للآخرين
ولأن علاقتها بالفن لم تكن محصورة في إنتاج اللوحة، أخذت تجربتها تتجه تدريجيًا نحو الآخرين. درّبت المهتمين بالفنون، وفتحت المجال أمام الراغبين في التعلم واكتشاف قدراتهم، لتصبح الممارسة الفنية بالنسبة إليها مساحة للمشاركة بقدر ما هي مساحة للتعبير.
وتقول الصفدي إن الفن الذي يبقى داخل المرسم يظل تجربة شخصية، بينما تزداد قيمته عندما يتحول إلى معرفة وتجربة يمكن مشاركتها. ومن هنا أخذ اهتمامها بالتدريب واكتشاف المواهب مكانًا واضحًا في مسيرتها، خصوصًا مع إيمانها بأن الاقتراب من الفن لا ينبغي أن يبقى حكرًا على من اختاروا احترافه.
«بيت الثقافة».. قراءة المكان من الداخل
من هنا يمكن فهم تجربة «بيت الثقافة»، التي جاءت امتدادًا طبيعيًا لهذا الاهتمام. فالفن عند الصفدي لا يعيش فقط داخل صالات العرض؛ يمكن أن يكون أيضًا طريقة لقراءة المدن.
عبر الجولات الثقافية والأنثروبولوجية، ولا سيما في أحياء عمّان القديمة، يأخذ المشروع الزائر إلى التاريخ والعمارة والحرف والفنانين وورشهم، وإلى الفنون والتصميم والمأكولات والتفاصيل الاجتماعية والاقتصادية التي صنعت المكان.
وتقول الصفدي إن علاقتها بعمّان تحديدًا لا تنفصل عن ذاكرتها الشخصية؛ فالمدينة التي نشأت فيها بقيت حاضرة في عين الفنانة، بما تحمله من طبقات تاريخية وبصرية وإنسانية. ومن هذا المنظور، يصبح التراث بالنسبة إليها مادة حيّة يمكن إعادة اكتشافها، لا مجرد ماضٍ محفوظ.
من اللوحة إلى «خطابات الذهب»
وفي مسار موازٍ، جاءت تجربتها في كتاب «خطابات الذهب: حالة الروح»، الذي تلتقي فيه الفنون البصرية والتصوير والتأمل الفلسفي مع التراث والبعد الروحي. الكتاب يضيف إلى مسيرتها وجهًا آخر، يخرج بالفن من سطح اللوحة إلى مساحة أوسع من التأمل.
فالصفدي لا تنظر إلى التجربة الفنية باعتبارها مجموعة أعمال منفصلة، وإنما كمسار تتقاطع فيه الصورة مع الفكرة والذاكرة. ولذلك يبدو الكتاب امتدادًا طبيعيًا لبحثها عن المساحات التي يمكن للفن أن يتحرك فيها، خارج الشكل التشكيلي وحده.
«بيت الفن».. مساحة للجيل الجديد
واليوم، تفتح الصفدي فصلًا جديدًا عبر مشروع «بيت الفن» بالتعاون مع جامعة الشرق الأوسط، مع توجه للتعاون مع عدد من الجامعات، وتشجيع الطلبة على الاقتراب من الفنون واكتشاف المواهب ودعم الفنانين في بداياتهم.
في هذه المرحلة، لا يبدو السؤال بالنسبة إليها متعلقًا بما يمكن أن تضيفه إلى تجربتها الشخصية فقط، بل بما يمكن أن تتركه هذه التجربة للآخرين. ففتح المجال أمام الطلبة، واكتشاف موهبة في بدايتها، ومنحها فرصة للتجربة، كلها تفاصيل تنقل الفن من كونه منتجًا نهائيًا إلى كونه مسارًا قابلًا للاستمرار.
وهنا تبدو تجربتها وقد قطعت مسافة أبعد من فكرة الفنان الذي ينتج أعماله ويعرضها. فالصفدي تنقل خبرتها إلى مساحة أوسع: تدريب، وكتاب، ومبادرة ثقافية، ومشروع يراهن على الجيل الجديد.
«الفن بالنسبة لي ليس نهاية اللوحة»، تقول الصفدي في تلخيص لمسارها، «بل ما يمكن أن تفتحه اللوحة من أسئلة وعلاقات وتجارب جديدة».
وبين عمّان التي شكلت ذاكرتها الأولى، والمرسم الذي رافقها نحو عقدين، والمشاريع التي تعمل عليها اليوم، تبدو تجربتها كرحلة لم تتخلَّ عن اللوحة، لكنها اختارت ألا تتوقف عند حدودها.
