الرئيسية / ثقافة و فنون
ثقافة و فنون

بيت عرار في إربد.. ذاكرة شاعر تحفظ ملامح المكان

بيت عرار في إربد.. ذاكرة شاعر تحفظ ملامح المكان

 
أحداث المملكة – إيمان هناندة
في وسط مدينة إربد، وعلى السفح الجنوبي لتل إربد، يقف بيت عرار شاهدًا على مرحلة مهمة من تاريخ المدينة الثقافي والاجتماعي، وحافظًا لذاكرة شاعر الأردن مصطفى وهبي التل "عرار" الذي ارتبط اسمه بالشعر والوطن والناس، وتحول منزله إلى فضاء ثقافي يستعيد سيرته وإنتاجه الأدبي. 
ويعود تاريخ البيت إلى عام 1888، حين بناه صالح مصطفى التل، والد عرار، على الطراز الشامي، باستخدام الحجر الأسود البازلتي وحجر «القرطين» ذي اللون الأحمر، قبل أن تجرى عليه توسعة وإضافات عام 1905، ليأخذ شكله الذي حافظ عليه عبر السنين.
ويضم البيت غرفا تحيط بفناء داخلي مرصوف بالحجارة البركانية السوداء، تتوسطه أشجار قديمة، من بينها شجرة توت يزيد عمرها على مائة عام، فيما يحتضن فناء المنزل قبر الشاعر عرار، ليشكل المكان بما يحويه من تفاصيل معمارية ومقتنيات وصور ووثائق جزءًا من ذاكرة المدينة الثقافية.
ولا تقتصر أهمية البيت على قيمته المعمارية، إذ يرتبط ارتباطًا وثيقًا بسيرة عرار وحياته، ويمنح الزائر فرصة للتعرف إلى البيئة الاجتماعية والثقافية التي عاش فيها الشاعر وأسهمت في تشكيل تجربته الأدبية والإنسانية.
وأكد عميد كلية الإعلام الدكتور زهير الطاهات أن بيت عرار يمثل قيمة ثقافية وتراثية تتجاوز كونه منزلًا ارتبط بشاعر الأردن، فهو شاهد على تاريخ إربد وتحولاتها الاجتماعية والعمرانية والثقافية، ويجسد مرحلة مهمة من تاريخ الحركة الأدبية والفكرية في المملكة.
وقال إن الحفاظ على البيت وإبراز محتوياته وتوثيق تاريخه يشكل مسؤولية ثقافية ووطنية، خصوصًا أن الأجيال الجديدة بحاجة إلى التعرف إلى الشخصيات الأدبية والفكرية التي أسهمت في بناء الذاكرة الوطنية، لافتًا إلى أن توظيف المكان في الفعاليات الثقافية والتعليمية يمكن أن يعزز حضوره لدى الطلبة والزوار والباحثين.
وأضاف أن المواقع التراثية المرتبطة بالشخصيات الوطنية يمكن أن تشكل جسورًا بين الماضي والحاضر، عندما يجري تقديمها بصورة تفاعلية تستفيد من الوسائل الحديثة في التوثيق والعرض، بما يجعل زيارة المكان تجربة معرفية تتجاوز مشاهدة المبنى إلى فهم سياقه التاريخي والثقافي.
وقال الشاعر محمد قديسات إن عرار يمثل حالة شعرية وإنسانية متفردة في الأدب الأردني، وإن استحضار تجربته من خلال بيته ومكان عيشه يتيح للزائر الاقتراب من البيئة التي شكلت جزءًا من تجربته الإبداعية.
وأضاف أن قيمة بيت عرار لا تكمن في حجارته ومكوناته المعمارية فقط، وإنما في القصص والذكريات والأحداث التي ارتبطت به، مشيرًا إلى أن عرار كان قريبًا من الناس وتفاصيل حياتهم، وأن هذه العلاقة انعكست في شعره الذي ظل حاضرًا في الذاكرة الثقافية الأردنية.
وأشار قديسات إلى أهمية أن يبقى البيت مساحة حية للثقافة والشعر، من خلال الأمسيات والندوات واللقاءات الأدبية، بما يسهم في تعريف الأجيال الجديدة بإرث عرار وتعزيز الصلة بين الأدب والمكان، مؤكدًا أن حضور الشاعر لا يكتمل من خلال قراءة قصائده فقط، وإنما من خلال التعرف إلى الأمكنة التي عاش فيها والبيئة التي استلهم منها تجربته.
من جهته، قال الأستاذ سرحان الذينات، مدير  مدرسة اليزيد، إن بيت عرار يمثل جزءًا أصيلًا من ذاكرة إربد القديمة، وإن الحديث عنه لا ينفصل عن الحديث عن تاريخ المدينة وشخصياتها الثقافية والتعليمية والاجتماعية.
وأضاف أن تعريف الطلبة بتاريخ المدينة ومواقعها التراثية وشخصياتها البارزة ينبغي أن يكون جزءًا من العملية التعليمية والثقافية، مبينًا أن بيت عرار يمكن أن يؤدي دورًا مهمًا في هذا المجال من خلال الزيارات المدرسية والبرامج التثقيفية والأنشطة التي تربط الطلبة بتاريخ مجتمعهم المحلي.
وأشار إلى أن المحافظة على مثل هذه المواقع لا تعني الحفاظ على المبنى وحده، بل حماية القصص والذاكرة المرتبطة به، ونقلها إلى الأجيال بطريقة تساعدها على فهم تاريخ مدينتها ومجتمعها، لافتًا إلى أن المدارس والمؤسسات الثقافية يمكن أن تؤدي دورًا مهمًا في هذا الجانب.
ويعود ارتباط البيت بسيرة عرار إلى حياته ومسيرته الأدبية، إذ وُلد مصطفى وهبي التل في إربد عام 1899، وتلقى تعليمه الأول فيها، ثم انتقل إلى دمشق لمواصلة دراسته، قبل أن يعود إلى الأردن ويعمل في التعليم والإدارة والقضاء، إلى جانب نشاطه الأدبي والشعري.
وعُرف عرار بلقب "شاعر الأردن"، وترك نتاجًا شعريًا وفكريًا متنوعًا، من أبرز أعماله ديوان "عشيات وادي اليابس"، وتميز شعره بقربه من الناس وتناوله تفاصيل الحياة الاجتماعية والريفية، واستعماله المفردات والتعابير الشعبية، الأمر الذي جعل تجربته قريبة من البيئة المحلية وقادرة على الاستمرار في الذاكرة الثقافية.
وفي عام 1949، توفي عرار ودُفن في إربد، ليبقى بيته وقبره ومقتنياته جزءًا من ذاكرة المدينة، وموقعًا يستقطب المهتمين بالأدب والتاريخ والتراث.
ويأخذ البيت أهمية إضافية من موقعه ضمن النسيج العمراني القديم لإربد، بالقرب من عدد من المعالم والمباني التاريخية، ما يجعله جزءا من ذاكرة المكان وليس مجرد مبنى مرتبط بشخصية أدبية. ويمكن أن يشكل البيت، إلى جانب هذه المعالم، محطة أساسية في المسارات الثقافية والسياحية داخل المدينة، خصوصًا مع تنامي الاهتمام بالسياحة الثقافية وتجارب المكان المرتبطة بالشخصيات والذاكرة المحلية.
ومع أعمال الترميم والتحديث التي شهدها البيت، واستعادة عدد من أثاثه ومقتنياته، تتجدد أهمية المكان بوصفه مساحة تجمع بين التراث المعماري والذاكرة الأدبية، وتتيح للزائر التعرف إلى جانب من حياة عرار والبيئة التي عاش فيها.
وبين حجارة البيت السوداء وفنائه القديم وصور الشاعر ومقتنياته، تبدو سيرة عرار حاضرة في المكان، لا بوصفها تاريخًا أدبيًا فحسب، وإنما جزءًا من ذاكرة إربد الثقافية؛ فبيت عرار اليوم مساحة تلتقي فيها العمارة بالذاكرة، والشعر بالمكان، وتتحول فيها سيرة أحد أبرز شعراء الأردن إلى تجربة حية للأجيال والزوار، تحفظ للمكان دوره في المشهد الثقافي، وتبقي اسم عرار حاضرا في مدينة ارتبط بها شعرا وحياة وذاكرة.

 

photo 601
photo 602
photo 603
photo 604
مقالات ذات صلة