من مدافن المسرات الرومانية والبيزنطية إلى كهوف الكمشة والقنية وتكوينات البادية الشرقية
باحث آثار لـ "أحداث المملكة": توثيق كهوف الزرقاء خطوة أولى لحمايتها
بلدية الزرقاء: توثيق المواقع الطبيعية والأثرية يسبق أي استثمار سياحي
دائرة آثار الزرقاء: وجود المغارة لا يعني بالضرورة أنها موقع أثري
الزرقاء – جلال أبو صالح
على امتداد محافظة الزرقاء، التي ارتبطت في الذاكرة العامة بالصناعة والجيش والسكك الحديدية والامتداد العمراني، تختبئ حكاية أخرى أقل حضوراً في المشهد العام؛ حكاية الكهوف والمغارات والتكوينات الصخرية التي تنتشر في عدد من مناطق المحافظة، بعضها يرتبط بمواقع أثرية، وأخرى ذات طبيعة جيولوجية، فيما تحتاج مواقع أخرى إلى دراسات ميدانية تحدد طبيعتها وقيمتها.
من مدافن المسرات الصخرية في منطقة العالوك وبيرين، إلى ما ظهر في الكمشة خلال أعمال الحفر والتجريف، مروراً بكهوف القنية ومصادر المياه والمواقع المحيطة بها، وصولاً إلى التكوينات البركانية في البادية الشرقية، تبدو الزرقاء أمام سجل طبيعي وأثري متنوع لم يحظَ حتى الآن بحضور يتناسب مع ما يمكن أن يحمله من قيمة علمية وثقافية.
ولا تكمن القضية في إطلاق وصف "أثري" على كل مغارة أو تجويف صخري، بل في غياب صورة علمية متكاملة تحدد ماهية هذه المواقع، وأصلها، ووظيفتها، وحالتها، وما إذا كانت تحمل شواهد أثرية أو قيمة جيولوجية تستحق الحماية والدراسة.
* المسرات.. مدافن صخرية تفتح فصلاً من تاريخ الزرقاء
في منطقة المسرات التابعة للعالوك وبيرين، تبرز مقابر منحوتة في الصخر تضم عدداً من المدافن والغرف الجنائزية، وتشير المعلومات المتداولة حول الموقع إلى وجود ثمانية مدافن صخرية تعود إلى فترات تاريخية قديمة، من بينها العصران الروماني والبيزنطي.
وتمنح هذه المدافن أهمية خاصة لكونها جزءاً من المشهد الأثري للمحافظة، إلا أن القيمة العلمية لأي موقع من هذا النوع لا تُحسم من خلال شكله وحده، وإنما من خلال أعمال المسح والتوثيق والدراسة ومقارنة المعطيات المعمارية واللقى والطبقات الأثرية بالسياق التاريخي للمنطقة.
وتبرز هنا مسؤولية الجهات المختصة في تسجيل المواقع وتحديد طبيعتها، خصوصاً أن المدافن المنحوتة في الصخر يمكن أن تقدم معلومات عن أنماط الدفن والمعتقدات والحياة الاجتماعية والاقتصادية في الفترات التي استخدمت فيها.
* آثار الزرقاء: الكهف لا يصبح موقعاً أثرياً بمجرد وجوده
وتؤكد دائرة آثار الزرقاء، في هذا السياق، أن وجود مغارة أو تجويف صخري لا يعني تلقائياً أنه موقع أثري، إذ يحتاج تصنيف الموقع إلى كشف ميداني ودراسة متخصصة تبحث عن الشواهد واللقى والبقايا المعمارية والقرائن التي يمكن أن تحدد الفترة التاريخية والوظيفة.
وبحسب هذا التصور، فإن المدافن المنحوتة والمنشآت الصخرية قد تحمل قيمة أثرية، لكن تحديد تاريخها ووظيفتها يحتاج إلى أدلة مادية ودراسة علمية، كما أن ظهور بقايا أو منشآت خلال أعمال الحفر والتجريف يستدعي التعامل معها وفق الإجراءات الفنية والقانونية المعمول بها.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في المناطق التي تشهد توسعاً عمرانياً أو أعمال تسوية للأراضي، إذ يمكن أن تظهر مواقع مدفونة لم تكن معروفة أو موثقة بشكل كافٍ.
* الكمشة.. حين كشفت أعمال التجريف ما تحت الأرض
وفي منطقة الكمشة التابعة لبيرين، كشفت أعمال الحفر والتجريف، وفق المعلومات المتداولة، عن تجاويف ومنشآت أو أسقف صخرية تحت سطح الأرض، الأمر الذي يفتح الباب أمام احتمال وجود بقايا تاريخية تحتاج إلى فحص ميداني متخصص.
وتكشف مثل هذه الحالات عن مشكلة أساسية تواجه المواقع غير الموثقة؛ إذ قد تؤدي أعمال الإنشاء والتسوية وشق الطرق إلى كشف أجزاء من الموقع، لكنها في الوقت ذاته قد تلحق ضرراً بالسياق الأثري إذا تمت دون متابعة أو إشراف متخصص.
فالقيمة الأثرية لا تكمن دائماً في القطعة التي تظهر على السطح، وإنما في موقعها وعلاقتها بما يحيط بها من طبقات ومنشآت ولُقى، وهو ما يجعل التوثيق المبكر عاملاً أساسياً في حماية أي موقع محتمل.
* القنية.. طبيعة تجمع الكهوف والمواقع الأثرية
وفي لواء الهاشمية، تظهر منطقة القنية بما تحمله من كهوف وتجويفات صخرية ومصادر مياه، إلى جانب قربها من مواقع ومعالم ذات أهمية طبيعية وأثرية، من بينها حمة خريسان وجبل المطوق.
وتجمع المنطقة بين عناصر طبيعية وتاريخية يمكن أن تجعلها موضوعاً مناسباً لدراسات متخصصة، شرط عدم التعامل معها باعتبارها موقعاً سياحياً جاهزاً قبل تحديد طبيعتها وقدرتها على استقبال الزوار وحاجتها إلى الحماية.
فالاستثمار السياحي، في المواقع الحساسة، لا يبدأ ببناء المرافق أو فتح المسارات، وإنما يبدأ بمعرفة ما الموجود في المكان، وما قيمته، وما الذي يمكن الحفاظ عليه قبل أي تدخل.
* بلدية الزرقاء: التوثيق يسبق الاستثمار السياحي
وترى بلدية الزرقاء أن التعامل مع المواقع الطبيعية والأثرية يحتاج إلى تنسيق مع الجهات المختصة، وأن تحديد قيمتها التاريخية أو الجيولوجية يجب أن يستند إلى دراسات ومسوح ميدانية متخصصة.
وتبرز أهمية إعداد حصر للمواقع التي يمكن أن تحمل قيمة ثقافية أو طبيعية، والعمل مع الجهات المعنية على توثيقها وحمايتها، قبل الانتقال إلى أي مشاريع للاستثمار السياحي.
ويعني ذلك أن الخريطة السياحية للمحافظة لا يمكن أن تبدأ من المشاريع، بل من معرفة المواقع نفسها؛ موقعها، وطبيعتها، وحالتها، وقيمتها، والمخاطر التي تهددها، وما تحتاج إليه من حماية وتأهيل.
* البادية الشرقية.. كهوف صنعتها الحمم القديمة
ولا تقتصر كهوف الزرقاء على المواقع المرتبطة بالإنسان القديم أو المدافن والمنشآت الأثرية، فالبادية الشرقية تضم تكوينات صخرية وتجويفات ارتبطت بالنشاط البركاني القديم وتدفقات الحمم.
وتختلف هذه الكهوف من حيث نشأتها وطبيعتها عن المدافن والمنشآت المنحوتة في الصخر، إذ يمكن أن تكون بعض التجاويف ناتجة عن قنوات الحمم البركانية القديمة والفراغات التي خلفتها بعد تبردها.
وهنا تبرز أهمية الدراسات الجيولوجية إلى جانب الدراسات الأثرية، خصوصاً أن الموقع الواحد قد يجمع بين قيمة طبيعية وإمكانية وجود شواهد على استخدام الإنسان له في مراحل تاريخية مختلفة.
* الحسيني: الرواية الشعبية بداية للبحث وليست دليلاً أثرياً
ويشير الباحث في الآثار مراد الحسيني إلى أن كهوف ومغارات الزرقاء تستحق مسحاً ميدانياً أوسع، خصوصاً في المناطق التي تتقاطع فيها التكوينات الصخرية مع المواقع الأثرية المعروفة.
ويبين أن قيمة المغارة لا تحددها طبيعتها الصخرية وحدها، وإنما ما يمكن أن تكشفه الدراسات الأثرية والجيولوجية من معلومات حول نشأتها واستخدامها وتاريخ المنطقة المحيطة بها.
ويعتبر الحسيني أن الروايات الشعبية المتوارثة حول الكهوف والمغارات يمكن أن تكون مادة مهمة للبحث، لأنها تساعد الباحثين في تحديد المواقع وأسمائها واستخداماتها المتداولة، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات القيمة الأثرية، إذ يجب مقارنتها باللقى والشواهد المادية والوثائق التاريخية والدراسات العلمية.
ويضيف أن الخطوة الأولى تتمثل في إجراء مسح شامل للمواقع وتحديد إحداثياتها وتوثيقها وتصنيفها، قبل التفكير في استثمارها سياحياً، خاصة أن بعض المواقع قد تكون حساسة ولا تتحمل الزيارات العشوائية أو التدخلات غير المدروسة.
* بين الرواية الشعبية والدليل الأثري
على مدى سنوات، ارتبطت بعض الكهوف والمغارات في الذاكرة المحلية بحكايات عن الدفائن أو أماكن الاختباء أو استخدامات قديمة، وهي روايات تشكل جزءاً من الذاكرة الشعبية للمكان.
لكن الرواية الشعبية، مهما كانت راسخة، لا يمكن أن تحل محل الدليل الأثري. فالباحث يبدأ من الرواية، ثم يبحث عن الدليل من خلال الموقع نفسه، واللقى، والنقوش، والبقايا المعمارية، والطبقات الأرضية، والوثائق التاريخية، إلى جانب الدراسات الجيولوجية التي يمكن أن تحدد طبيعة التكوين الصخري وعمره ونشأته.
وهذا التفريق ضروري حتى لا تتحول بعض الحكايات إلى حقائق غير مثبتة، أو تُهمل في المقابل مواقع تستحق البحث لمجرد عدم وجود معلومات منشورة عنها.
* المشكلة في غياب التصنيف
المشكلة الأساسية التي تكشفها قصة كهوف الزرقاء ليست بالضرورة قلة المواقع، وإنما غياب قاعدة معلومات متكاملة تجمعها وتصنفها.
فالكهوف والمغارات ليست كتلة واحدة؛ بينها مواقع أثرية مؤكدة، وأخرى تحتاج إلى تنقيب ودراسة، وتكوينات جيولوجية طبيعية، ومواقع لا يمكن تحديد قيمتها قبل إجراء مسح ميداني.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعداد سجل متخصص يتضمن الموقع الجغرافي، وطبيعة التكوين، وحالته، والقيمة الأثرية أو الجيولوجية المحتملة، والصور والخرائط، ونتائج المسح، ودرجة الحماية، والجهة المسؤولة عن متابعته.
وجود مثل هذا السجل من شأنه أن يحول المواقع من معلومات متفرقة في الذاكرة المحلية إلى مادة علمية يمكن البناء عليها في الحماية والدراسة والتخطيط السياحي.
العمران يهدد ما لم يوثق
تزداد أهمية التوثيق مع استمرار التوسع العمراني وتغير استخدامات الأراضي، إذ إن الموقع غير الموثق قد يتعرض للردم أو التسوية أو القطع أو البناء دون أن تكون قيمته معروفة للجهات المنفذة أو أصحاب الأراضي.
وفي المواقع الأثرية، لا يقتصر الضرر على فقدان قطعة أو جدار، إذ يمكن أن يؤدي تغيير المكان إلى فقدان السياق الذي يساعد العلماء على فهم الموقع وتاريخه.
ولهذا فإن تسجيل المواقع المحتملة وتحديدها على الخرائط يمثلان خطوة وقائية قبل أن يصبح اكتشاف الضرر أسهل من منع حدوثه.
* حماية المواقع.. طريق يبدأ بالدراسة
يمكن لبعض كهوف ومغارات الزرقاء، بعد تقييمها علمياً، أن تشكل جزءاً من مسارات السياحة الثقافية أو الجيولوجية، لكن ذلك يتطلب ترتيباً واضحاً للأولويات.
البداية تكون بالمسح والتوثيق، ثم التصنيف والحماية، وبعد ذلك تقييم إمكانية فتح الموقع للزيارة، وإنشاء المسارات واللوحات التعريفية وإجراءات السلامة، مع تحديد الطاقة الاستيعابية للموقع ومنع التدخلات التي يمكن أن تؤثر في تكويناته أو بقاياه.
فما يصلح للزيارة العامة ليس بالضرورة صالحاً للتنقيب المفتوح، وما يحمل قيمة جيولوجية لا يعامل بالطريقة نفسها التي يعامل بها مدفن أثري أو منشأة تاريخية.
* الزرقاء.. صورة أخرى خارج الصناعة والمدينة
تقدم كهوف الزرقاء وتكويناتها الصخرية صورة مختلفة عن المحافظة التي غالباً ما تختزل في الصناعة والمدينة والسكك الحديدية.
فالمحافظة تضم طبقات متعددة من التاريخ والطبيعة؛ مواقع أثرية، ومدافن منحوتة، وتكوينات بركانية، وكهوفاً ومصادر مياه، وذاكرة شعبية ارتبطت بهذه الأماكن على مدى أجيال.
ويمكن لهذه العناصر، إذا خضعت للدراسة والتوثيق، أن تضيف بعداً جديداً إلى الهوية الثقافية والسياحية للزرقاء، بعيداً عن الصورة النمطية التي تختزلها في النشاط الصناعي والعمراني.
* من الذاكرة إلى الوثيقة
الطريق إلى معرفة حقيقة كهوف الزرقاء لا يبدأ من الأساطير ولا ينتهي عند الروايات الشعبية، بل ينتقل من الذاكرة إلى الوثيقة، ومن الحكاية إلى البحث الميداني.
وهذا يتطلب حصر المواقع، وتحديد مواقعها جغرافياً، ودراسة تكويناتها، وفحص ما تحتويه من شواهد، وتوثيق الروايات المحلية المرتبطة بها، ثم مقارنتها بالمعطيات الأثرية والتاريخية والجيولوجية.
وبذلك يمكن معرفة ما إذا كان الموقع مدفناً، أو منشأة تاريخية، أو تكويناً طبيعياً، أو موقعاً يجمع بين أكثر من قيمة، بدلاً من ترك جميعها تحت تسمية واحدة هي "الكهوف".
* كهوف الزرقاء.. حكاية تحتاج إلى سجل
من مدافن المسرات الصخرية، إلى ما ظهر في الكمشة، مروراً بكهوف القنية، وصولاً إلى التكوينات البركانية في البادية الشرقية، تبدو كهوف الزرقاء بحاجة إلى أن تنتقل من الذاكرة المتداولة إلى سجل علمي واضح.
فليست كل مغارة موقعاً أثرياً، وليست كل فجوة في الصخر مجرد تكوين طبيعي بلا قيمة، كما أن الرواية الشعبية ليست بديلاً عن البحث العلمي.
القيمة الحقيقية لهذه المواقع ستحددها الدراسات والمسوح والأدلة، لكن ما يمكن حسمه منذ الآن هو أن الموقع الذي لا يوثق يصعب حمايته، وما لا يعرفه الناس والجهات المختصة قد يصبح عرضة للتغيير أو الاندثار قبل أن يحصل على فرصة ليكشف قصته.
وفي محافظة تختزن طبقات متداخلة من التاريخ والطبيعة، ربما لا تحتاج كهوف الزرقاء إلى مزيد من الحكايات بقدر ما تحتاج إلى من يوثقها، ويدرسها، ويحدد ما تخفيه الصخور من ذاكرة المكان.
