أحداث المملكة - ضمن فعاليات اتحاد الكتاب والأدباء الأردنيين، أُقيمت يوم أمس الأربعاء فعالية تراثية اجتماعية بعنوان «أضواء على عادات سادت ثم بادت»، قدّمتها الأديبة نوال الحردان، وأدارتها الأديبة نعمات العزة، بحضور لفيف من أعضاء الهيئتين الإدارية والعامة، وعدد من أصدقاء الاتحاد وضيوفه، وبحضور رئيس الاتحاد الشاعر عليان العدوان.
استُهلت الفعالية بكلمة ترحيبية لرئيس الاتحاد، رحّب فيها بالحضور النخبوي النوعي والمميز، وجاءت كلمته ترحيبية وتحفيزية، منحت المحاضرة أهمية خاصة، ومهّدت بصورة جميلة وموجزة لموضوعها وفحواها.
ثم تولّت الأديبة نعمات العزة إدارة الفعالية بأسلوب مشوّق واقتدار، استهلته بكلمة موجزة تناولت فيها الوطن، ودور اتحاد الكتاب والأدباء الأردنيين الفاعل في المشهد الثقافي، ونشاطاته المتنوعة والمميزة التي تسهم في إثراء الحراك الثقافي على مستوى الأردن، والتي امتد أثرها إلى خارج حدود الوطن، ووصلت إلى العديد من الدول.
كما أشارت إلى أهمية الثقافة ودورها الكبير في رفعة الوطن وإعلاء رايته، وإلى أهمية العادات والتقاليد والأعراف في حفظ التراث بوصفه جزءًا من سردية الوطن وذاكرته وتاريخه. وأكدت أن الارتقاء بالفكر الإنساني يسهم في النهوض بالمجتمع والوطن، والوصول به إلى مصاف المجتمعات الراقية المتحضرة، مشيرة إلى تأثير العادات والتقاليد في المجتمع، وما تحمله من آثار إيجابية أو سلبية في نمط الحياة.
الحردان تستحضر عادات الماضي بين التوثيق والإنصاف
أما المحاضِرة الأديبة نوال الحردان، فقد أخذت الحضور في رحلة إلى جوانب من الحياة الاجتماعية والتراثية في الماضي، مستحضرةً عددًا من العادات والسلوكيات التي توارثها المجتمع جيلًا بعد جيل؛ منها ما كان نافعًا وجميلًا، ومنها ما كان ضارًا بالمجتمع، وبعضها ما يزال قائمًا إلى يومنا هذا.
وأكدت الحردان أهمية دور المثقف في عملية التغيير، بوصفه أحد أهم العوامل المؤثرة في الوعي المجتمعي، بالتعاون مع المؤسسات الرسمية والحكومات، من أجل الحد من العادات السلبية، وتنقية المجتمع مما علق به من ممارسات لا تنسجم مع القيم الإنسانية والدينية والاجتماعية.
وسلّطت الحردان الضوء على عادات كانت سائدة في الماضي، ولم يبقَ منها اليوم إلا النزر اليسير. وأوضحت أن لكل زمان عاداته وتقاليده؛ فمنها ما كان جميلًا، يبعث على الألفة والمحبة والتكافل، حتى إننا نتمنى لو بقي حاضرًا في حياتنا إلى اليوم، ومنها ما كان قائمًا على الجهل أو الظلم أو التمييز، فكان اندثاره نعمة تستحق الحمد.
ولم تكتفِ الحردان بذكر محاسن الماضي، كما لم تقتصر على عيوبه، بل عرضت الجانبين بميزان الإنصاف؛ فاستحضرت العادات والطقوس الحسنة التي تستحق أن تُروى وتُحفظ، وتناولت في الوقت نفسه عادات خالفت الدين أو الفطرة أو القيم، والتي نحمد الله أنها أصبحت من الماضي.
وأكدت أن الغاية ليست تمجيد كل ما كان، ولا ذم كل ما مضى، وإنما توثيق حياة الناس كما كانت، لنأخذ منها ما ينفع، ونتجنب ما لا يليق؛ فالتاريخ أمانة، والإنصاف خير منهج في روايته.
وقالت:
«في الماضي صفحات مشرقة تستحق أن تُروى، وصفحات قاتمة لا بأس أن تُطوى، وبينهما نحكي التاريخ كما كان، لا كما نهوى.»
فالمقصود، كما أوضحت، ليس مجرد الحنين إلى «الزمن الجميل»، وإنما توثيق حياة الناس بأمانة، وإبراز ما فيها من قيم التكافل والكرم وصلة الرحم، وفي الوقت نفسه الإشارة إلى ما كان فيها من ظلم أو جهل أو تمييز.
وأضافت أن كثيرًا من هذه العادات كانت ابنةً لزمانها، ومتوافقة مع متطلبات الناس وبيئتهم ومحيطهم وظروفهم، ثم اختفت تدريجيًا مع مرور الزمن. وقد اندثر بعضها، بينما بقي بعضها الآخر في مناطق دون غيرها، ولذلك تأتي الإشارة إليها في إطار التوثيق للتراث الشعبي كما كان يُمارس، لا للحكم عليه تأييدًا أو رفضًا.
وقالت في هذا السياق:
«لقد كانت هذه العادات ابنةً لزمانها وظروفها، نستذكرها للتوثيق، ونترك للقارئ أن يقرأها بعين عصره.»
نماذج من العادات والطقوس الشعبية
وتناولت المحاضرة عددًا من العادات والممارسات الاجتماعية التي عرفها المجتمع في أزمنة سابقة، ومن أبرزها:
المقايضة بين الناس، وهي تبادل السلع والاحتياجات من دون استعمال المال.
نكاح الشغار، أو زواج البدل، وهو من العادات التي ارتبطت بتبادل الزواج بين أسرتين، بما كان يترتب عليه من إشكالات اجتماعية وحقوقية.
عطية الجورة، وهي عادة كانت تتم في بعض البيئات؛ فعندما تتوفى الزوجة وتُدفن، يقول والدها لزوجها وأمام الناس إنه سيعطيه ابنته الثانية.
عطية الصينية، وهي أن يعطي الأب ابنته وهي ما تزال طفلة صغيرة في المهد، وتكون على الصينية.
وفاة زوج المرأة الحامل وما ارتبط بذلك من عادات ومعتقدات.
زواج الأرملة وما كان يرافقه من طقوس ومواقف اجتماعية.
مدة الغُرّة، وما ارتبط بها من ممارسات قاسية وظروف اجتماعية مؤلمة.
اللطم والردح على الميت بوصفهما من طقوس الحزن والتعبير عن الفقد.
المحيا والزلابية، وما ارتبط بهما من عادات اجتماعية.
ميراث المرأة وما أحاط به من أعراف وممارسات في بعض البيئات.
عسر الولادة والمعتقدات الشعبية التي رافقت المرأة في أثناء الولادة.
ابن العم بطيح عن الفرس، وما ارتبط به من عرف اجتماعي.
هدم الخال وطبخة الشباب، وغيرها من الممارسات التي كانت حاضرة في الحياة الاجتماعية القديمة.
كما تناولت المحاضرة المعاونة أو العونة بين الناس في الأفراح والأتراح، وهي من العادات الجميلة التي جسدت روح التكافل الاجتماعي، فكان الناس يتعاونون في مواسم الحصاد وقطاف الثمار، ولا سيما موسم الزيتون، وكذلك عند بناء البيوت وعقدها، وفي المناسبات والأفراح والأتراح.
وتطرقت الحردان أيضًا إلى عدد من العادات والطقوس المرتبطة بالأفراح والأعراس، ومنها: إبريق العرسان، ولصق عجينة الحناء على باب البيت، ونثر الملح، وزفة العريس على الفرس، وغيرها من الطقوس التي كانت تشكل جزءًا من المشهد الاحتفالي والاجتماعي في الماضي.
خاتمة
وفي ختام المحاضرة، كان الوقت المقرر قد أوشك على الانتهاء، فيما لم ينفد رصيد الكاتبة من المعلومات والحكايات التراثية التي تزخر بها ذاكرتها وذاكرة المجتمع؛ فقد داهمنا الوقت قبل أن تنتهي مسيرة هذا الثراء المعرفي الذي قدمته الحردان للحضور.
وفي نهاية الفعالية، تفضّل رئيس اتحاد الكتاب والأدباء الأردنيين الشاعر عليان العدوان بتكريم الفارستين نوال الحردان ونعمات العزة، وتسليمهما شهادتي تقدير، تقديرًا لجهودهما ومشاركتهما في هذه الفعالية الثقافية والتراثية.
واختُتم اللقاء بالتقاط الصور التذكارية، وسط أجواء من التقدير والاهتمام بالتراث الشعبي، والتأكيد على أهمية توثيق ذاكرة المجتمع، بما فيها من عادات وطقوس وممارسات، لتبقى شاهدًا على حياة الناس وتفاصيلها، ولتصل إلى الأجيال القادمة كما كانت، لا كما نتصورها اليوم.
أضواء على عادات سادت ثم بادت محاضرة تراثية للأديبة الحردان في اتحاد الكتاب
