قال المؤسس المشارك لشركة "أنثروبيك"، جاك كلارك، إن التطور السريع لقدرات الذكاء الاصطناعي قد يدفع الاقتصاد الأميركي إلى نمو استثنائي، يرفع ناتجه المحلي الإجمالي إلى نحو 44 تريليون دولار بحلول عام 2030، وفق أحد السيناريوهات الاقتصادية التي وضعتها الشركة.
وبحسب وكالة "رويترز"، جاءت تصريحات كلارك خلال الاجتماعات السنوية لـ"صندوق النقد الدولي" و"البنك الدولي" في العاصمة التايلاندية بانكوك، حيث دعا إلى تعزيز التعاون الدولي لوضع ضوابط تنظيمية صارمة للذكاء الاصطناعي، في ظل تسارع تطوره واتساع تأثيراته المحتملة.
وأوضح كلارك أن وصول الناتج المحلي الإجمالي الأميركي إلى نحو 44 تريليون دولار، مقارنة بأكثر قليلًا من 30 تريليون دولار حاليًا، قد يبدو بعيدًا عن الواقع، لكنه أشار إلى أن الذكاء الاصطناعي يساهم بالفعل في تسريع الاكتشافات العلمية بصورة كبيرة.
وأضاف أن تحقيق مثل هذا النمو يفترض استمرار التحسن في قدرات التكنولوجيا، إلى جانب ظهور صناعات واختراعات جديدة قادرة على دعم التوسع الاقتصادي المتوقع.
ثلاثة سيناريوهات للاقتصاد الأميركي
تستند التقديرات إلى نموذج اقتصادي نشرته "أنثروبيك" في أيلول/ سبتمبر 2026، وأعاد نشره موقع "كريبتو بريفينغ"، يستعرض ثلاثة مسارات محتملة لتأثير الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد الأميركي حتى عام 2030، تختلف بحسب تطور قدرات الأنظمة الذكية وسرعة اعتمادها في مختلف القطاعات.
وفي السيناريو الأول، الذي تصفه الشركة بالمعتدل، يصل الناتج المحلي الإجمالي إلى 34.1 تريليون دولار بحلول 2030، بزيادة نسبتها 1.6% مقارنة بمسار النمو المرجعي.
أما السيناريو الثاني، الذي تصفه الشركة بالجوهري، فيفترض توسع استخدام الذكاء الاصطناعي بوتيرة أكبر، بما يرفع الناتج المحلي الإجمالي إلى 36.3 تريليون دولار، بزيادة تبلغ 8.3% عن المسار المرجعي.
ويطرح السيناريو الثالث، وهو الأكثر تطرفًا، احتمال وصول الناتج المحلي الإجمالي إلى 44.4 تريليون دولار، بزيادة نسبتها 32.4% مقارنة بالمسار المرجعي.
ويفترض هذا المسار بلوغ أنظمة الذكاء الاصطناعي مستويات متقدمة من الكفاءة والاستقلالية، بما يمكّنها من تنفيذ معظم المهام المعرفية وتحسين قدراتها بصورة متكررة، الأمر الذي قد يسرّع التطور التكنولوجي ويرفع الإنتاجية الاقتصادية.
لكن "أنثروبيك" تؤكد أن هذه الأرقام لا تمثل توقعات مؤكدة، وإنما نتائج افتراضية تعتمد على مجموعة من الافتراضات المتعلقة بتطور الذكاء الاصطناعي ومدى انتشاره واستخدامه في الاقتصاد.
الذكاء الاصطناعي قد يطوّر نفسه بحلول 2027
وفي سياق متصل، رجّح كلارك إمكانية وصول أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة التحسين الذاتي المتكرر بحلول عام 2027، في تقدير يعكس توقعاته بشأن تسارع تطور هذه التكنولوجيا.
ويقصد بالتحسين الذاتي المتكرر قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على المساهمة في تطوير نسخ أكثر تقدمًا من نفسها، بما يسمح بتسريع عمليات البحث والابتكار وتطوير الأنظمة اللاحقة.
وتشكل هذه القدرة أحد الافتراضات الأساسية في السيناريو الاقتصادي الأكثر تطرفًا الذي عرضته "أنثروبيك"، إذ يرتبط تحقق النمو الكبير بقدرة الأنظمة على التطور المتواصل، إلى جانب انتشار استخدامها على نطاق واسع.
ومع ذلك، يبقى الوصول إلى هذه المرحلة غير مؤكد، كما أن تحقق نمو اقتصادي استثنائي لا يعني بالضرورة استفادة جميع العاملين والشركات والمستثمرين منه بدرجة متساوية.
في المقابل، يحذر النموذج الاقتصادي الذي أعدته "أنثروبيك" من أن التوسع في أتمتة المهام قد يؤدي إلى إزاحة أعداد من العاملين، خصوصًا في الوظائف المعرفية التي تشمل البرمجة وخدمات الأعمال والأعمال المكتبية.
ووفق السيناريوهات الأكثر تحولًا، قد يضطر بعض العاملين إلى الانتقال إلى مهن أخرى، بينما قد ترتفع معدلات البطالة إذا لم تتمكن القطاعات الاقتصادية المختلفة من استيعاب الموظفين المتضررين بالسرعة المطلوبة.
كما يشير النموذج إلى احتمال انخفاض حصة العمالة من المكاسب الاقتصادية، مقابل ارتفاع الحصة التي تذهب إلى رأس المال والتكنولوجيا، ولا سيما في السيناريو الأكثر تطرفًا.
وقد تطرح هذه التحولات تحديات أمام الحكومات تتعلق بتوزيع الثروة، ومدى قدرة أنظمة الحماية الاجتماعية والسياسات الضريبية على التعامل مع التغيرات المحتملة في سوق العمل.
وفي هذا السياق، أظهرت استطلاعات أوردتها المواد المصاحبة للنموذج أن تقديرات المشاركين كانت أقرب إلى سيناريو النمو الجوهري، الذي يفترض زيادة الناتج الاقتصادي بنسبة 8.3% مقارنة بالمسار المرجعي، مع معدل بطالة يقارب 5%، بدلًا من السيناريو الأكثر تطرفًا.
وتزامنت تصريحات كلارك مع تصاعد النقاشات بين المسؤولين الماليين وصناع السياسات بشأن تأثير الذكاء الاصطناعي في النمو الاقتصادي والتوظيف والاستقرار المالي.
وشدد المؤسس المشارك لـ"أنثروبيك" على ضرورة التعاون الدولي لوضع قواعد تنظيمية صارمة لهذه التكنولوجيا، في ظل سرعة تطورها واحتمال اتساع آثارها الاقتصادية والاجتماعية.
وترى الشركة أن التعامل مع هذه التحولات يتطلب استعداد الحكومات لسيناريوهات متعددة، بدلًا من الاعتماد على تصور واحد لمستقبل الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تنسيق الجهود الدولية لمواجهة المخاطر التي قد يصعب على الدول معالجتها بصورة منفردة.
وتشدد "أنثروبيك" على أن نتائج نموذجها تظل مشروطة بتطور القدرات التقنية وسرعة اعتمادها، فيما يبقى توزيع المكاسب الاقتصادية والتأثير في الوظائف من أبرز المسائل المرتبطة بمستقبل هذه التكنولوجيا.
وتكتسب هذه التقديرات أهمية خاصة في ضوء طبيعة الجهة التي أصدرتها، إذ إن "أنثروبيك" شركة مطورة لأنظمة الذكاء الاصطناعي ولديها مصلحة مباشرة في مستقبل القطاع، ما يستدعي التعامل مع سيناريوهاتها بوصفها تقديرات صادرة عن الشركة، وليست توقعات اقتصادية مستقلة أو نتائج مضمونة.
